قائمة الموقع

الشيخ خضر عدنان ومعركة الإرادة

2018-10-16T06:19:50+03:00
الشيخ خضر عدنان
وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

 

منذ حوالى شهر ونصف، يخوض الأسير خضر عدنان، للمرة الثالثة منذ 2011 ، إضراباً مفتوحاً عن الطعام في سجون الاحتلال، رفضاً للاعتقال التعسفي. كانت قوات الاحتلال قد اعتقلته بتاريخ 11 كانون الأول / ديسمبر 2017، باقتحام منزله في بلدة عرابة قرب جنين. كتب في رسالة موجهة إلى إدارة السجون أن "النية للإضراب كانت موجودة في اللحظات الأولى للاعتقال، رفضاً لفكرة الاعتقال من أساسها، فالاحتلال قد يكون حراً في وقت اعتقال الأسير، ولكن نحن الأسرى من يحدّد موعد الإفراج". بهذه الكلمات، يبدأ الأسير المفجّر لمعركة الأمعاء الخاوية الفردية والمتتالية، تحديه للاحتلال، محدّداً إمكانياته: أنت تعتقل ونحن نحدّد بأمعائنا الخاوية ونضالاتنا موعد حريتنا. فهو يتكلم بمنطق المقاومة، عندما تردّ على تهديدات العدو بشنّ الحرب على قطاع غزة بالقول: أنت تبدأ القصف والحرب ولكن نحن من يحدّد متى ستنتهي. لا ينبع هذا الكلام إلا ممن يثق بقدرته على تحمّل الألم والجوع، ومن يمتلك الإرادة الصلبة التي مكّنته من الانتصار في معارك سابقة.

لم يصدر الاحتلال بحق الشيخ خضر عدنان أي قرار باعتقاله الإداري، خلافاً للمرات السابقة، ظنّاً منه أن عدم إصدار هكذا قرار وترك الأمور مبهمة حول سبب الاعتقال وتوجيه التهم كانتمائه إلى حركة الجهاد الإسلامي، ودعمه لمعارك الأسرى، قد يثني الأسير عن الإضراب عن الطعام، وذلك لأن الاحتلال يخشى معركة قد ينتصر فيها مرة أخرى. تنبّه الأسير عدنان إلى ألاعيب الصهاينة وقرّر خوض المعركة، قائلاً في الرسالة: "إذا كان الاحتلال يعتقلنا على قضية، وليس اعتقالاً إدارياً، لا يعني أن لا نُضرب، فكما قام الاحتلال بجمع هذه التهم خوفاً من إضرابنا في الاعتقال الإداري،  فنحن لا مشكلة لدينا بالإضراب". أدرك الشيخ خضر عدنان نقطة ضعف الاحتلال، الذي يحتال ويلفّ بسبب خوفه من معركة أخرى، ومجرد معرفة ذلك هو بداية انتصار الشيخ عدنان.

مرة أخرى، يتحدى مفجر معركة الكرامة في سجون الاحتلال العدو وسجونه ومخابراته، ويعلن رفضه للاعتقال، مهما كانت الأسباب، لأن الأصل هو الصراع بين الشعب والاحتلال، والشعب يطمح بطبيعته إلى الحرية، والاحتلال يمنع ذلك ويقمع ويقتل، مدعوماً من قبل المجتمع الدولي. ذلك يعني أن لكل أسير الحق في الإضراب عن الطعام وخوض معركة الحرية، فقط لأنه أسير، ولأن السجان لا حق له بأسر أي شخص، لأنه محتل، وكل ما يصدر عنه غير شرعي ومرفوض. بهذا المنطق، يكسر الشيخ خضر عدنان قواعد الاحتلال برفض شرعية الاقتحام والاعتقال وحتى الوجود، وليس فقط شرعية محاكمه واعتداءاته المتكرّرة على الأسرى.

معركة الشيخ خضر عدنان تتجاوز مسألة نيل الحرية الشخصية، لأنها تطرح القضية من أساسها، أي وجود الاحتلال الصهيوني بمؤسساته كافة، على أرض فلسطين. في معاركه السابقة، كان قد خاض الإضراب للأسباب ذاتها، وأعلن مراراً أنها معركة من أجل كرامة الشعب الفلسطيني، الذي يعتقل ويقتل ويمنع من السفر والتنقل وزيارة أهله، ويمنع من الصلاة في المسجد الأقصى ومن زيارة عاصمته، ويمنع من زراعة أرضه ومن العمل والدراسة بحرية، ومن عودته إلى وطنه. معركة الكرامة والحرية التي يخوضها الشيخ عدنان هي باختصار معركة الشعب الفلسطيني بكل مكوناته، ومعركة الأمة ضد الاحتلال والتبعية والاستكبار والعنصرية في كل أرجاء الوطن العربي. لهذه الأسباب، ولأنه خاض هذه المعركة أيضاً وهو خارج السجن، أراد العدو الانتقام منه، لا سيما وأنه انتصر في معاركه السابقة.

أشارت عائلته خلال الوقفات الإسنادية له، في الضفة الغربية، إلى أن العدو يمنع زيارته من قبل المحامين، وينقله من عزل إلى آخر، للضغط عليه ليكف عن إضرابه، وقد تدهورت حالته الصحية حتى بات يتحرك معتمداً على كرسي متحرك. رغم وضعه الصحي، يواصل الشيخ عدنان معركته بمعنويات عالية، كما أفادت زوجته مؤخراً، التي اعتبرت أن "أي أنسان حر يتنفس ويستطع أن يؤلم هذا المحتل يجب ألا يتراجع، وحتى لو كان على حساب صحته وعافيته".

الشيخ خضر عدنان، القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، لا يعرف السكون، طالما الاحتلال يجثو على أرض فلسطين، لأنه إنسان حر ويمثل كل إنسان حر يرفض التعامل مع الاحتلال. يعتبر نفسه بحالة تحدي دائمة مع الاحتلال، كما كان واضحاً عندما زار القدس وصلى في المسجد الأقصى وأقام فيه ليلة القدر، في شهر تموز / يونيو 2015، وقد تم اعتقاله في تلك الليلة، وأضرب عن الطعام لمدة "أربع ساعات ونصف"، كما صرّح للصحافة، لأنه دخل إلى مدينة القدس رغم المنع الصهيوني. ثم ينصح أهل الضفة الغربية قائلاً: "لا تأخذوا تصاريح لدخول القدس، فهناك طرق أخرى" معلناً رفضه لأوامر وتصاريح ونظام المحتل، ويتابع "أينما تصل قدماي سأصل بحرية، ولو تمكنت من الوصول إلى رأس الناقورة لدخلته" (مقابلة مع صحيفة الأخبار).

شكّل الشيخ عدنان أيضاً إزعاجاً للقوى الأمنية التابعة لسلطة رام الله، فقط لأنه دعم عائلات الشهداء والأسرى، لا سيما الذين قاوموا العدو خلال انتفاضة القدس، وأثبتوا أن المقاومة ما زالت حيّة في وجدان أهل الضفة الغربية، ولأنه استطاع، مع غيره من قيادات العمل المقاوم، تشكيل حالة شعبية تلتف حول المقاومين وتتحدى الاحتلال ومن تعامل معه. تعرفه مخيمات الخليل وبيت لحم قبل مخيمات جنين ونابلس، كما تعرفه شوارع رام الله والولجة (مسقط رأس الشهيد باسل الأعرج)، مطالباً بحرية الأسرى وبوقف التنسيق الأمني مع الاحتلال. هذا هو سبب اعتقاله مرة أخرى في 11 كانون الاول / ديسمبر 2017، بعدما شعر الاحتلال بأن الضفة الغربية على وشك أن تنتفض بسبب القرارات الأميركية المرتقبة حول القدس والكيان الصهيوني. ومنذ تلك الفترة، يتقاسم الاحتلال الدور مع الأجهزة الأمنية التابعة لسلطة رام الله في اعتقال المناضلين والمقاومين ومنع أي انتفاضة شعبية ضد الاحتلال.

من خلال إضرابه المفتوح عن الطعام، يعبّر الشيخ خضر عدنان عن مشاركته الفعلية مع كل من يتحدى الاحتلال، في قطاع غزة ومسيرات العودة، وفي الخان الأحمر مع أهلها الذين يرفضون تدمير بيوتهم وتجمعهم، ويتواصل مع كل من يرفض الذل، كما هو الحال في سجن هشارون، حيث ترفض الأسيرات كاميرات العدو، الذي يريد، كما صرّح لمؤتمر دعم الأسرى في تونس عام 2012، "المس بكل أحرار العالم وكل ما هو إنساني في دواخلنا وكل ما هو إنساني على هذه المعمورة".

اخبار ذات صلة