/مقالات/ عرض الخبر

اتفاقيات أوسلو: هل فشلت حقاً؟

2018/09/21 الساعة 07:12 ص
اتفاق أوسلو
اتفاق أوسلو

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

اعتبر عدد من المسؤولين السياسيين والكتاب الفلسطينيين وجوب إعادة النظر في اتفاقيات أوسلو أو إلغائها لأنها فشلت؛ أي أن هذه الاتفاقيات التي أعطت 78% من الأرض الفلسطينية إلى كيان العدو وسلّمت به كدولة سيادية على هذا الجزء الأكبر من فلسطين، لم يتمخض عنها الاعتراف بما سمي "دولة فلسطين" على الأجزاء المبعثرة الأخرى، ولم تتمكن السلطة الفلسطينية من السيطرة عليها فعلياً.

من يتحدث عن فشل اتفاقيات أوسلو، كان يتوهّم بأن هذه الاتفاقيات ستجلب له دولة، وما زال يعتبر أن ما قام به الوفد الفلسطيني في أوسلو يرتقي إلى "سلام الشجعان"، معتبراً أن الصهاينة هم من نقضوا هذه الاتفاقيات لأن نياتهم لم تكن صافية. فيما أقرّ آخرون أن المفاوضين لم يتنبّهوا إلى بعض النقاط الحساسة في هذه الاتفاقيات ولم يدرسوها كفاية قبل التوقيع عليها، ما عزّز الموقف الصهيوني الذي ابتلع الأرض وما تحتها (المياه) وبنى مستوطناته على مرتفاعاتها وسهولها، ومنع إقامة الدولة المرتقبة في "الضفة الغربية وقطاع غزة، وعاصمتها القدس الشريف". ولا يزال يبرّر آخرون "اتفاقيات العار" هذه بالرجوع إلى الوضع العربي في تلك الفترة، أي ما بعد حرب الخليج وما نتج عنها، كمؤتمر مدريد تحت الرعاية الأميركية، حيث سلّمت معظم الدول العربية بسيطرة الولايات المتحدة على المشهد العالمي.

يقولون إن الاحتلال تنصّل منها، والاحتلال يقول إن السلطة لم تؤمّن لهم السلم والهدوء، أي أن العمليات الفدائية التي اجتاحت الأراضي المحتلة هي السبب لعدم تطبيق اتفاقيات أوسلو، وفقاً لنظر الصهاينة، الذين اتفقوا على القول بأنها جلبت لهم الدمار، قبل اندلاع انتفاضة الأقصى، التي تسببت أيضاً بخسائر فادحة للكيان، من الناحية الاقتصادية والاستيطانية والأمنية، وأشعرت الجمهور الصهيوني بأنه يعيش في حالة غير آمنة، ويجب عليه الرحيل.

هل فشلت فعلاً هذه الاتفاقيات؟ عدّد الكتاب أبرز نقاطها السلبية، وهي توسع الاستيطان حيث أصبحت التجمعات الفلسطينية في الضفة الغربية شبيهة بالمعازل، مكبّلة بين المستوطنات والطرق الاستيطانية والحواجز، وتهويد أحياء القدس "الشرقية"، التي تم تفتيتها الواحدة تلو الأخرى لصالح المستوطنين، وتسارع التهويد في كل الميادين بعد القضاء على انتفاضة الأقصى. من سلبياتها أيضاً الانقسام السياسي الفلسطيني العميق، عندما رفضتها فصائل مهمة في منظمة التحرير وخارج منظمة التحرير، إذ اتخذت بعض الشخصيات القيادية بمفردها، بعيداً عن الإجماع الفلسطيني، قرار التوقيع وتسليم فلسطين إلى الكيان الصهيوني، مقابل شبه إدارة حكم ذاتي على السكان. كما حدّد الكتّاب سيئات أخرى، أهمها التفريط بحق عودة اللاجئين، رغم رفع شعار "عودة اللاجئين" كشماعة من قبل هؤلاء دون العمل الجدي من أجل تحقيق هذا الحق، والتفريط بحق فلسطينيي 48 بالتحرير وبوحدة الشعب الفلسطيني، حيث سوّق أهل اتفاقيات أوسلو أن مشكلة فلسطينيي 48 تتمثل بمساواتهم الفردية بمستوطني الكيان. بالنسبة للعديد من المعلّقين السياسيين، الآفة الكبرى تتمثّل بما سمي التنسيق الأمني، وهو التعبير المخفّف لسلوك التعامل مع المحتل، على المستوى الرسمي. وعلى المستوى العربي، فتحت اتفاقيات أوسلو باب التطبيع مع العدو، والخطوة الأهم التي تبعت هذه الاتفاقيات هي توقيع اتفاق وادي عربة بين النظام الأردني وكيان العدو.

منذ وصول سلطة الحكم الذاتي إلى الأراضي التي بسطت حكمها عليها، مباشرة بعد هذه الاتفاقيات، لاحقت أجهزتها الأمنية، المجاهدين والمقاومين، قبل تدريبها على يد الجنرال الأميركي دايتون، واعتقلتهم وقتلتهم، لأن تلك المهمة، أي ضرب المقاومة وتصفيتها، شكّلت أهم بنود هذه الاتفاقيات. سيطرت أجهزة السلطة على الصحافة والمطبوعات، واعتقلت المئات من المناهضين للاتفاقيات، حتى شُبهت سلطة الحكم الذاتي بـ"دولة سعد حداد" العميلة في جنوب لبنان. منذ تشكيل هذه السلطة، قرّرت أن لا صوت يعلو فوق صوتها الشاذ، ولا سلاح غير سلاحها الذي وافق عليه الاحتلال فقط لتصفية المقاومة، بعد فشله بتأدية هذه المهمة خلال الانتفاضة (الأولى). كانت السلطة الفلسطينية وكيلة الاحتلال، وما زالت تقوم بدوره الأمني والاقتصادي.

بالنسبة للكيان الصهيوني، لم تفشل اتفاقيات أوسلو، بل كانت الأداة الأفضل لتحقيق حلم "أرض إسرائيل" على أوسع نطاق ممكن. لقد نجحت اتفاقيات أوسلو بجعل الفلسطينيين، أو بالأحرى بعض المتنفذين الذين تعاونوا مع المحتل تحت رعاية الولايات المتحدة، والدول الأوروبية والمجتمع الدولي، يصرّون على أوهامهم ويتابعون المفاوضات تلو المفاوضات، وينفقون الأموال لصالح هذه الأوهام المدمّرة، ويسوّقون لتطبيع العلاقات مع العدو وشرائح مجتمعه، رغم اندلاع انتفاضة الأقصى وتوضيح طبيعة هذا الوحش الذي يتعاملون معه بأبشع صوره. نجحت اتفاقيات أوسلو بتدمير ما كان يمكن أن يشكل اقتصاداً فلسطينياً مستقلاً، ومجتمعاً فلسطينياً مقاوماً في الأراضي الفلسطينية التي سلّمت إلى السلطة، بتدخّل الشركات الأجنبية التي ربطت الانتاج الفلسطيني بمصلحة العدو والدول الأجنبية، بدلا من ربطه بالاستهلاك المحلي أولاً، وبالترويج للنمط الاستهلاكي العالمي في ظل وهم الاستقلال، وتدخّل المنظمات غير الحكومية الأجنبية التي سعت إلى تغيير المفاهيم النضالية لدى شرائح واسعة من الشعب الفلسطيني واستبدالها بمفاهيم نفعية بعيدة عن مفاهيم حرب التحرير الوطني الشعبي.

كان العدو يفضّل أن تُسحق المقاومة بفضل هذه "الاتفاقيات العار"، وأن لا يعود أحد يطالب بحق العودة إلى الوطن، ولا يستنفر للدفاع عن عروبة القدس وعن المقدسات، وأن يندمج الفلسطينيون، كأقلية، في دولة العدو الموسعّة، في شرق أوسط تسيطر عليه الشركات والدول الغربية والصهيونية، وأن يعمّ "السلام الاقتصادي" في المنطقة، مع مشاركة بعض العرب والمسلمين، كوكلاء للمصالح الصهيونية والغربية. وهذا ما لم يحصل عليه العدو وأعوانه، بفضل المقاومة.

هل فشلت إتفاقيات أوسلو؟ من ناحية، أفشلتها المقاومة، لأنها رفضت الخضوع ورفعت راية الكفاح من أجل كامل الحقوق الفلسطينية. ولكن لم تفشلها إلا لأنها كانت على يقين أن هذه الاتفاقيات لم تكن إلا وسيلة لإخضاع الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة للسيطرة الصهيونية والغربية. ما يعني أن المقاومة التي واصلت معاركها في فلسطين، قبل وبعد وخلال انتفاضة الأقصى، أكّدت للصهاينة أن ما تم الاتفاق عليه في أوسلو وغير أوسلو لا يلزم الشعب الفلسطيني، الذي يطالب بحقوقه كافة ويكافح من أجلها.

ما فشل من اتفاقيات أوسلو هو وهم السلام مع العدو، بفضل المقاومة، وليس عدم إقامة "دولة فلسطينية" على أجزاء مبعثرة من فلسطين، لأن إقامة هذه الدولة لم تكن أصلاً في الحسبان الصهيوني، ولا في حسبان المجتمع الدولي، الذي طالب بالمزيد من التنازلات من الجانب الفلسطيني ولم يوقف الاعتداءات الصهيونية ولم يقدّم أي خطوة عملية بهذا الاتجاه. ما ساعد من جهة أخرى على نجاح هذه الاتفاقيات، هو التنسيق الأمني والتعامل مع العدو، الذي قمع إرادة التصدي للمحتلين وفتح أبواب التوسع التهويدي، وإحداث شرخ كبير بين الواهم الذي ينتظر "الدولة"، وبين الشعب المقاوم.  

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/131101

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا