وضع قرار الادارة الأميركية بمنع التمويل عن وكالة الأونروا اللاجئين الفلسطينيين والدول المضيفة لهم ومعهم المفوضية العام للوكالة، في خندق واحد، في مواجهة مفاعيل هذا القرار وما يرمي اليه من إضعاف لدور ومهام الأونروا بهدف إنهاء هذا الدور. لكن يبدو ان وقف التمويل الذي لم يكن اول تدبير اميركي بهذا الاتجاه، لن يكون الأخير وربما لن يكون الأقسى، لأن الآتي قد يكون أعظم وأخطر اذا نجحت الولايات المتحدة في تحقيقه وهو الاستهداف المباشر لوجود وبقاء الأونروا كمنظمة دولية وحيدة معنية باللاجئين الفلسطينيين وشاهد دولي يجسّد اعتراف العالم بحقهم في العودة الى ارضهم فلسطين.
فقد كشفت مصادر دولية متابعة للتطورات المتصلة بتداعيات القرار الأميركي ان "ما هو اخطر من قرار منع التمويل عن الأونروا، ما تحاول الادارة الأمريكية الضغط باتجاهه عبر مسارين اذا نجحت في تسويقهما والضغط على 167 دولة لتبني احدهما او كلاهما، سيشكلان تصفية نهائية للأنروا: الأول تحويل بعض مهام الوكالة الى المفوضية العليا للاجئين ليصبح التعاطي مع اللاجىء الفلسطيني مثله مثل التعاطي مع عموم لاجئي العالم.
واضافت المصادر نفسها لـ"المستقبل": اما المسار الثاني وهو الأخطر وهو محاولة العمل لارساء تعريف جديد لما يعرف بـ"ولاية الأونروا" بهدف تغيير هذه الولاية بحيث تصبح مهامها فقط مقتصرة على رعاية ومساعدة اللاجئين الذين خرجوا اساساً من فلسطين، دون ان تشمل ابناءهم واحفادهم واجيال اللاجئين الفلسطينيين التي اتت بعدهم على مدى عقود، وهذا يعني بطبيعة الحال ان يختصر اربعة ملايين ونصف مليون لاجىء فلسطيني بأربعمائة الف، ويصبح من السهل حينها العمل لتوطينهم في البلدان المضيفة لهم وفقا لهذا المخطط.
وعلى بعد ايام قليلة من اجتماعي وزراء الخارجية العرب في القاهرة والأمم المتحدة على هامش الجمعية العامة في نيويورك واللذين من المقرر ان يخصصا للبحث في الأزمة التي تهدد الأونروا في اعقاب القرار الأميركي، ارتفعت وتيرة المطالبة ببقاء الأونروا وحمايتها، واتخذ التضامن مع الوكالة اشكالا مختلفة من حراك دولي لمفوض ومسؤولي الأونروا باتجاه حكومات ومسؤولي البلدان المضيفة، ومعهم باتجاه المجتمعين العربي والدولي، ومن تحركات واعتصامات غاضبة شهدتها بعض المخيمات الفلسطينية بعد صلاة الجمعة ومن مواقف وتصريحات مستنكرة للقرار وداعية للحفاظ على الأونروا بما هو حفاظ على قضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم.
وتعتبر اوساط فلسطينية معنية بهذ القضية التي تعد اولوية حاليا لمجمل لاجئي فلسطين وحتى للبلدان المضيفة ولا سيما لبنان الذي يخشى شبح التوطين ويتشارك مع الفلسطينيين موقفهم الرافض له بقوة، أن المطلوب حالياً وعلى ابواب الاستحقاقين العربي والدولي القادمين بعد ايام، الانتقال من مرحلة ردة الفعل على القرار الأميركي الى التحرك المدروس على كافة واوسع المستويات وفي مختلف المحافل من اجل قطع الطريق على المخطط الأميركي لإنهاء الأونروا وافراغ قضية اللاجئين الفلسطينيين من مضمونها تمهيدا لشطبها نهائيا، وذلك يكون بحثّ الدول الشقيقة والصديقة والداعمة للشعب الفلسطيني على تحشيد الدعم المالي اللازم لاستمرار عمل الأونروا والذي يعوض ما فقدته من تمويل اميركي اثّر على تقديمها لخدماتها ويكاد يهدد العام الدراسي المنطلق في مدارسها في الأقطار الخمسة.
عين الحلوة غاضب
في مخيم عين الحلوة، ورفضاً لقرار الادارة الامريكية بوقف الدعم المالي لوكالة الأونروا، نفذ عشرات اللاجئين الفلسطينيين اعتصاما امام مكتب خدمات الأونروا في الشارع الفوقاني للمخيم بدعوة من المنظمة النسائية الديمقراطية (ندى) شارك فيه ممثلون لفصائل وقوى ومنظمات نسائية فلسطينية ورافقه اشعال اطارات مطاطية تعبيرا عن الغضب الفلسطيني على هذا القرار الذي يرى فيه الفلسطينيون محاولة من الادارة الأميركية لشطب حق العودة للاجئين.
واطلق المعتصمون هتافات منددة بالقرار رافعين لافتات تطالب المجتمعين الدولي والعربي والسلطة الفلسطينية بالتحرك الواسع من اجل الحفاظ على استمرار الأونروا وخدماتها حتى تحقيق المطالب الوطنية الفلسطينية باقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين. كما نوه المعتصمون بالموقف الرسمي والشعبي اللبناني الداعم للشعب الفلسطيني وقضيته المحقة.
والقيت كلمات لكل من مسؤولة المنظمة النسائية الديمقراطية حنان حبوس ومسؤولة المنظمة النسائية في حزب الشعب الفلسطيني دنيا خضر، وعضو قيادة الجبهة الديمقراطية ابتسام ابو سالم التي تلت مذكرة بإسم المنظمة موجهة الى الأمين العام للأمم المتحدة ومفوض عام الأونروا، أعربت من خلالها عن القلق من الحصار المالي الذي تتعرض له الأونروا، داعين الأمم المتحدة لتحمل مسؤولياتها تجاه المحافظة على هذه المؤسسة الأممية وتوفير موازنة ثابتة أو تمويل مستدام لها. ورافضين اي تعديل او تحويل لأي من وظائف الأونروا الى أي مؤسسة دولية كالمفوضية العليا لشؤون اللاجئين او للدول المضيفة. وطالبت المذكرة بتوسيع دائرة الداعمين للوكالة على المستوى الدولي والاقليمي ودعت الدول المانحة للايفاء بالتزاماتها على هذا الصعيد، ومفوضية الأونروا بعدم الانسياق للضغوط الأميركية او اللجوء لأية اجراءات تمس التقديمات التعليمية والصحية والاستشفائية والاجتماعية للاجئين.
وفي الختام قام مسؤول الجبهة الديمقراطية في منطقة صيدا فؤاد عثمان وامين سر اللجان الشعبية للتحالف عبد مقدح بتسليم المذكرة الى مدير المخيم في الأونروا عبد الناصر السعدي. وقال عثمان لـ"المستقبل" ان "الهدف من التحرك توجيه رسالة الى الرئيس ترامب والادارة الأميركية بأن لا احد يستطيع اسقاط حق العودة، ورسالة الى المجتمع الدولي والدول المانحة بضرورة ان تتحمل مسؤولياتها وتقدم الأموال اللازمة لوكالة الغوث لتقوم بواجبها تجاه الشعب الفلسطيني او تتحمل هذه الدول تداعيات وقف عمل الأونروا وانعكاسه على اللاجئين والبلدان المضيفة.
أمام الأونروا في بيروت
ونفذ الاساتذة الثانويون الفلسطينيون اعتصاما امام مكتب الأونروا في بيروت. وتحدث باسم المعتصمين أسامة العلي، فقال: "نقف في هذا الاعتصام دفاعا وحماية لوجود الوكالة ولحقوق العاملين فيها عموما والثانويين. ونحن في اجواء أزمة سياسية حقيقية وهجوم اميركي صهيوني على وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة الى وطننا المسلوب فلسطين. ونحن في مقام الدفاع عن الوكالة وحمايتها لا بد ان نؤكد كموظفين في الوقت ذاته تمسكنا بحقوقنا ومكتسباتنا ولقمة عيش ابنائنا".
المصدر: صحيفة "المستقبل"