مقال بقلم / راغدة عسيران
انطلقت "مسيرة العودة الكبرى" في يوم 30 آذار (مارس) الماضي، من قطاع غزة نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948، كتعبير شعبي عام ووحدوي عن رفض الاحتلال وعدم التخلي عن حق العودة الى فلسطين. كانت الهيئة القيادية التي تشكلت لإدارة هذه المسيرة قد حثت التجمعات الفلسطينية الأخرى في فلسطين ودول الشتات الى الانطلاق بمسيرات مشابهة نحو الكيان المحتل أو في داخله، إلا أن الظروف السياسية والميدانية، الموضوعية والذاتية، في دول الجوار وفي فلسطين، أفضت الى محاصرة مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة. رغم ذلك، ومنذ ذلك اليوم، تتواصل مسيرات العودة الأسبوعية باتجاه الشريط الفاصل بين الكيان المحتل والقطاع. فنصبت خيام العودة في الاراضي المحاذية للداخل المحتل، من الجنوب الى الشمال، تستقبل الأنشطة المختلفة المتعلقة بالمسيرة أو بالقضية الفلسطينية عامة. اعتبر القائمون على مسيرة العودة أنها شكل من أشكال المقاومة، فهي مقاومة شعبية سلمية، تجمع الفئات الشعبية المختلفة التي تعبّر عن تمسكها بحقوقها الوطنية، أولهم حق العودة الى فلسطين. منذ انطلاقتها، شكّل هذا النمط من المقاومة الشعبية تحدياً كبيراً للاحتلال الذي واجهها بإطلاق الرصاص على المشاركين فيها، بشكل عشوائي أو مستهدفاً اشخاص أو فئات محدّدة، فقَتل المئات منهم، وجَرح عشرات الآلاف، كاشفاً مرة أخرى عن طبيعته الوحشية والدموية. انطلاقة مسيرات العودة ثم استمرارها إلى اليوم شكّلا إرباكا لقيادة العدو، وأخرجا قطاع غزة والقضية الفلسطينية بكل مسائلها الفرعية من التفسّخ الداخلي إلى الفضاء العالمي.
منذ أكثر من عشرة أعوام، وتحديداً منذ بناء الجدار الاستيطاني في الضفة الغربية، وما رافقه من ابتلاع أراضي القرى المجاورة للأراضي المحتلة عام 1948، وإقامة بوابات حديدية على مداخل بعضها وتوغل المستوطنين، شهدت الضفة الغربية اندلاع مواجهات شعبية عدّة، ضمت أبناء هذه القرى المهدّدة بالاستيطان والحصار، تمثلت بمسيرات شعبية سلمية تطالب برحيل الاحتلال عنها وتحرير أراضيها وفتح طرقاتها. من بلعين إلى الولجة، مروراً بالنبي صالح وكفر قدوم. تمثل هذه القرى نمطاً آخر من المقاومة الشعبية، أو بالأحرى أنماطاً أخرى، حيث ابتدعت كل قرية شكل مواجهتها مع قوات الاحتلال. لكن، ما يجمعها هو السقف السياسي الذي حدّدته، وقد ناقش هذه الظاهرة عدد كبير من الصحافيين والباحثين منذ انطلاقتها.
في البداية، يجب تناول مسألة مصطلح "المقاومة الشعبية"، حيث بدا واضحاً أنه لا يعني الشيء نفسه، لا سياسياً ولا ميدانياً، عند من ينادي بها، كما أن بعض التحركات المناهضة للاستيطان في الضفة الغربية أطلقت على نفسها اسم "المقاومة الشعبية"، ما أضاف غموضاً أكبر حول ماهية "المقاومة الشعبية". معظم الكتابات حول هذا النوع من المقاومة فصلت بشكل قاطع بين "المقاومة المسلحة" و"المقاومة الشعبية"، أي أنها اعتبرت المقاومة الشعبية تلك التي تضم قطاعات واسعة أو غير واسعة من الفلسطينيين، في مسيرات "سلمية" تندّد بجرائم الاحتلال، المحلية والوطنية، وتضطر أحياناً الى الاشتباك مع الاحتلال الذي يأخذ مبادرة القتل والملاحقة. يبدو أن مصطلح "المقاومة الشعبية" بهذا المفهوم خاص بالشعب الفلسطيني ما بعد اتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية، حيث تمّت صياغته ليتناسب مع "الجغرافيا الكولونيالية" (ليندا طبر وعلاء العزة) التي فرضها كيان العدو. خلافاً لحركات التحرر كافة في العالم، حيث كان سلاح الثوار جاهزاً وحاميا للانتفاضات، وحيث كانت العمليات الفدائية "الفردية" تضرب المحتل بالتزامن مع التحركات الشعبية السلمية، ابتدع فريق أوسلو ومن يتبعه مفهوماً خاصاً أدخل هذه المقاومة الشعبية التي بادر إليها أهل القرى والبلدات المهدّدة بالزوال في مأزق وجودي. من ناحية أخرى، فإنّ عدم إطلاق مصطلح "المقاومة الشعبية" على مواجهات متواصلة تتمّ في بعض المناطق، كالتي حصلت قبل سنوات في محيط المسجد الأقصى في القدس، على سبيل المثال، بين المرابطات وشرطة الاحتلال، أو في المسجد بين المرابطين وقطعان المستوطنين، أو في البلدات المقدسية، ضيّق المفهوم ليتناسب مع مفهوم السلطة وأتباعها.
من أبرز عناوين هذه المقاومة في بلدات الضفة الغربية، رغم تنوّع مساراتها، أنها أولا تكيّفت مع فكرة سلطة أوسلو القائلة بأن الشعب الفلسطيني غير قادر على تغيير الوضع، فالمسيرات الشعبية تهدف بالتالي إلى لفت نظر المجتمع الدولي ومطالبته بالتدخل ووقف الأعمال الإجرامية الصهيونية أولاً. من هنا تأتي مشاركة الأجانب، مجموعات متضامنة أو رسمية، وأحياناً "الإسرائيليين" (وإن ترجعت هذه الظاهرة بسبب الانتقادات التي وجهت للقائمين عليها) في المسيرات، التي يتم تغطيتها من قبل الإعلام الدولي. المتابع للإعلام الأجنبي، وخاصة الغربي منه، يلاحظ مدى تأثير "المتضامنين" على بث أخبار هذه البلدات وناسها، ومدى تفاعل بعض الأوساط الغربية معها، كما حصل مع الفتاة المناضلة عهد التميمي من قرية النبي صالح. رغم إيجابية هذه الظاهرة على المستوى الإعلامي، إلا أنها تكرّس "الجغرافيا الكولونيالية" من جهة، وتساهم في التعتيم الإعلامي والسياسي على مسائل ومناطق فلسطينية أخرى، بحيث يصبح الإعلام الغربي هو من يحدّد أهمية الحدث أو الأولوية.
يتفق المحللون على القول بأن هذه المقاومة الشعبية التي انطلقت في الضفة الغربية ضحية، أولاً التغلغل الاستيطاني الذي ابتلع مساحات شاسعة من الأراضي وجزّأ الضفة إلى معازل، وثانياً غياب الاستراتيجية العامة والبرنامج الوطني الشامل والقيادة الموحدة حول مشروع مقاومة الاحتلال، حيث بدأت كرد فعل محلي على سرقة الأراضي واستمرت على هذا الشكل. لكن يجب إضافة كونها ضحية التنسيق الأمني المتواصل حيث يتم زج المناضلين الناشطين وذوي الخبرة الذين يحملون آفاقاً سياسية واضحة، في سجون السلطة، وتتم ملاحقتهم ومنعهم من التحرك، لا سيما في الجامعات، في حين يعترف الجميع بدور الطلاب بتجذير أي تحرك مقاوم للاحتلال. فبتغييب هذه الطليعة المناضلة التي بإمكانها توسيع المقاومة الشعبية وتجذيرها في الضفة المحتلة، تعمل السلطة وأجهزتها الأمنية ومن يستفيد من تواجدها، على إجهاض كل مبادرة أو تحرك يقاوم الاحتلال.
قدّمت مسيرات العودة في قطاع غزة مثالاً آخر للمقاومة الشعبية، وكان بإمكان البلدات المنتفضة ضد الاحتلال الاستفادة منها والالتحاق بها، لا سيما قرية الولجة المقدسية، التي ابتلع الاحتلال أراضيها في 1948، وما زال يحاصرها وينهبها. وكانت القرية قد تحركت سابقاً مع أهلها المهجّرين من أجل العودة إلى أراضيهم واستعادتها، إلا أن ثقل العمل المألوف وملاحقة الطليعة الواعية وتغييبها (ملاحقة الشهيد باسل الأعرج مثلاً قبل اغتياله)، ومشاركة بعض الجمعيات (وإن لم تكن مموّلة من جهات أجنبية) بأجندتها الخاصة (يوم تطوعي من هنا، جولة من هناك) حرّف النظر عن البرنامج الوطني الشامل الذي قدّمته مسيرة العودة الكبرى في قطاع غزة.
لقد غيّرت مسيرة العودة الكبرى التي انطلقت من قطاع غزة المعادلة مع الاحتلال، بعد بضعة أسابيع فقط من انطلاقها. فهي أولاً إحدى أنماط المقاومة الشعبية، التي ضمت الفئات المجتمعية المختلفة، ووضع القائمون عليها، من فصائل المقاومة والاتحادات الشعبية وغيرها، برنامجاً وطنياً جامعاً، يبدأ بحق العودة إلى الديار الأصلية في فلسطين المحتلة عام 1948. وثانياً، لم تفصل هذه المقاومة الشعبية بين الفعل المسلح والفعل الجماهيري، حيث أكدت المقاومة (المسلحة) أنها تحمي شعبها ومستعدة للرد الفوري على القصف الصهيوني وبرهنت على ذلك خلال الأسابيع الماضية. وثالثاً، انطلقت خلال هذه المسيرات الشعبية، التي أخافت الاحتلال، مبادرات وأنماط من التحدي والمواجهة (قص الشريط الشائك، البالونات والطائرات الحارقة) في حين تحوّلت خيام العودة المنصوبة على الخط الفاصل الى أمكنة للتوعية الشاملة حول الصراع مع العدو. رابعاً، حضور ومشاركة الطليعة المكافحة الواعية في هذه المقاومة الشعبية أسقطت إلى الآن محاولات تحريفها وتحجيم هدفها الجامع، رغم الضغوط الكبيرة التي تمارس من قبل جهات عديدة، دولية وإقليمية ومحلية، أجمعت على إنهائها.
فلذلك، ليست المسألة كما يتصوّر محمود عباس والتابعون له، وكما يردّدون بتهكّم بأن الفصائل اقتنعت الآن، وبعد عشرات السنين، بجدوى "المقاومة الشعبية"، بل هي أولاً وقبل أي شيء أخر، مسألة الأسس السياسية التي تقف عليها أي مقاومة، وما هو برنامجها، وكيفية إدارتها ومتابعتها، من أسبوع لآخر، وحث الآخرين ليس إلى دعمها فقط بل إلى المشاركة فيها، للتحرّر من أسر "الجغرافيا الكولونيالية".