مقال بقلم / راغدة عسيران
الاقتحام اليومي للمسجد الأقصى وتهويد مدينة القدس، الزحف الاستيطاني في الأغوار ومنطقة نابلس، السطو على المسجد الإبراهيمي في مدينة الخليل، مشاريع استيطانية جديدة قديمة في الجليل والنقب، تشويه المعالم الحضارية العربية الإسلامية في المدن الساحلية، تندرج كل هذه الاعتداءات وغيرها في خانة الاستعمار الاستيطاني الإلغائي الذي يمثله كيان العدو في فلسطين.
هذا الاستعمار الاستيطاني الإلغائي كغيره من العمليات الاستعمارية الاستيطانية في العالم، يغزو بقوة النيران ويرتكب مجازر ويطرد ويدمّر كل ما له صلة بوجود شعب على الأرض المستهدفة. ولكن الغزو الاستعماري الصهيوني لفلسطين أضاف رواية كاذبة يعود بها إلى آلاف السنين، ليشرعن جريمته ويبرئ ذمته من كل ما يرتكبه، لأنه يرتكز على ما يعتبره "مقدّساً"، وهي أسطورة "أرض إسرائيل" الذي يريد إحيائها على أنقاض فلسطين وجوارها.
أصبح كل شيء مباحاً له عندما قرّر استعادة هذه الاسطورة وإحياءها، مذ وُضعت أسسها من قبل علماء ورجال دين وسياسيين أوروبيين. رغم تشابه الاستعمار الاستيطاني الإلغائي الأوروبي في أميركا (الشمالية بالتحديد) مع الاستعمار الاستيطاني الإلغائي في فلسطين، من ناحية الذرائع الدينية وفكرة "أرض إسرائيل" لسحق الشعوب الأصيلة، إلا أن ما يميّز المشروع الصهيوني هو أنه يواجه في فلسطين وجوارها الحضارة العربية الإسلامية وشعوبها، التي أثارت قلق الأوروبيين وذعرهم لقرون طويلة، حاولوا خلالها محاربتها وإزالتها مراراً، بطرق مباشرة أو ملتوية.
لذلك، المستهدف في فلسطين المحتلة ليست الأرض فحسب وكل ما تحتويه من موارد، بل الشعب العربي، بكل مكوناته الدينية والإثنية، التي جمعتها الحضارة العربية الإسلامية في بلادنا، وتاريخ هذه المنطقة الذي ينفي أساطير الصهاينة، مهما كانت انتمائاتهم الدينية والعرقية. فمن هذا المنطلق، لم يعد الاعتراف بالكيان الصهيوني على أرض فلسطين مجرد اعتراف بكيان سياسي صنعته الامبريالية البريطانية واعترفت به الأمم المتحدة، رغم المآسي التي تتولد من جراء هكذا اعتراف على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية، بل هو إضفاء شرعية لأسطورة كاذبة تدعم جرائم العدو بحق البشر والحجر والشجر، واستهتار بتاريخ الشعب الفلسطيني وحضارته.
في فلسطين المحتلة، يخترع العدو تواريخ شتى تطال مكوّنات الشعب الفلسطيني، بمساعدة علماء وجواسيس أجانب، ويشوّه تاريخ الأمة وشعوبها. تنفي الصهيونية وجود شعب فلسطيني؛ فهناك بالنسبة لها عرب مسلمون، ودروز، ومسيحيون، وبدو، وشركس وغيرهم، ولكل فئة أسطورة نسجها الصهيوني كما يحلو له، كما ينسج أساطير حول أصول شعوب المنطقة وتاريخها و"عذاباتها" في حضن الحضارة العربية الإسلامية. لقد اخترع مثلاً في مؤسساته العلمية، وهي غالباً تابعة للمؤسسة العسكرية، تاريخاً خاصاً بـ"الدروز"، وتاريخاً خاصاً بـ"بدو النقب"، وجعلهم أحيانا مقرّبين من "اليهود"، لمنع أي وحدة بين مكوّنات الشعب الفلسطيني. هذا ما لخّصه السياسي الفلسطيني سعيد نفاع، في مقدمة كتابه "العرب الدروز والحركة الوطنية الفلسطينية حتى الـ48" بالقول "إن أقصر الطرق لاستعباد أي شعب أو أي مجموعة بشرية هو بقطع جذورها الحضارية وتشويه أصولها التاريخية، وجعل لقمة عيشها رهناً في يد المستعبد". ولكن هذه الاختراعات التي يراد منها تجزئة الشعب الواحد لإلغاء مقاومته تتبخّر عندما يصطدم العدو بمقاومة هذه الفئات، كما هو حاصل في النقب، حيث أصبح هؤلاء "البدو" "غزاة"، يتم مطاردتهم وملاحقتهم لإبعادهم عن قراهم وأراضيهم الأصلية، وعن حياتهم "التوراتية" التي تغنى بها المستعمِر سابقاً.
عندما اعترفت منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1988 بالكيان الصهيوني على جزء من فلسطين، بذريعة "الواقعية"، لم تأخذ بعين الاعتبار التاريخ والحضارة، بل فقط "الواقع"؛ وبحكم هذا الواقع، وليس التاريخ، يعتبر المحتل الصهيوني أن ثمة شعباً فلسطينياً يزاحمه على الأرض، يحارب ويقاوم، ويمنعه من السيطرة الكاملة التي يصبو إليها، وفقاً لتاريخ مزوّر. ولكن، يعود إلى أساطيره كلما استطاع ليغيّر الواقع، يزحف بمستوطناته ويبتلع الأرض، ويطرد الفلسطينيين من بقعة إلى أخرى، من النقب إلى جوار القدس، ومن جوار القدس إلى الأغوار (كما هو الحال اليوم لبدو النقب في خان الأحمر المهددين بالتشريد مرة أخرى)، تبعاً لمشاريعه الأخطبوطية، أي أنه يسير وفقاً لأساطيره "المقدّسة"، ولا يبالي من الشكاوى المقدمة إلى الأمم متحدة، أو البرلمان الأوروبي، أو مجالس وجمعيات حقوق الإنسان، التي تصدر قراراتها كافة تحت سقف "الواقع"، أي شرعنة الغزو الاستيطاني الصهيوني لجزء من أرض فلسطين.
وفقاً لأساطيره، لا يعتبر العدو أنه يحتلّ أرضاً وأنه يمارس أعمالاً قمعية إزاء الفلسطينيين، فهر يبرّر كل أفعاله وجرائمه وهمجيته بـ"الدفاع" عن النفس وعن تاريخه المزيّف. لا تعنيه القوانين والمواثيق الدولية إلا بقدر ما تدعم توجهاته الرئيسية. ومن هنا وافق على مسار التسوية في أوسلو وغيرها. قد يتوهم البعض ويعتبر أن العدو تراجع، إلا أنه، منذ اتفاقيات أوسلو المشؤومة، امتد على الأرض وجزّأ الشعب وفرض مسار التسوية وفقاً للواقع، بمعنى أن الشعب الأصيل في هذه الأرض أصبح، بنظره، مجموعات لا يربطها تاريخ وحضارة، بل زائرون مقيمون على أرض الغير، عليهم أن يتأقلموا مع الواقع.
من هنا، يمكن فهم ما قاله الدكتور رمضان عبد الله شلح، الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، قبل عقدين من الزمن، حول مسار التسوية الأوسلوية : "رفضنا لمنطق التسوية ومشروعها يقوم على فكرة أساسية أن هذه التسوية تأتي في سياق انتصار المشروع الصهيوني، وهذا الانتصار لم يكتفِ بأن يغير الأرض ويطمس المعالم والحقائق على الأرض بل يزحف نحونا ليطمس التاريخ".
الاعتراف بالكيان والموافقة على أي مسار تسوية معه، وتقاسم الأرض أو التعايش معه ليس إلا إنكاراً للتاريخ الذي يجمع الشعب الفلسطيني بمحيطه العربي الإسلامي وبحضارته من جهة، وشرعنة أساطير "مقدّسة" تبرئ المحتلين من كل جرائمهم، من جهة أخرى. لقد فتح مسار التسوية الأبواب للتغلغل الفكري الصهيوني إلى العقل العربي والفلسطيني، في الميادين المختلفة، من إعادة كتابة التاريخ وتزويره إلى شرعنة إدعاءات الصهيونية بأن الكيان الاستعماري المحتل يمثل اليهود في العالم، كما جاء في مقابلة للسيدة ليلى شهيد، ممثلة السلطة الفلسطينية سابقا في فرنسا والاتحاد الأوروبي، حيث صرّحت لصحيفة "ليبراسيون"، في سياق انتقادها لقانون القومية الإلغائي، أن الإسرائيليين قد اتخذوا قرار سن القانون "دون الأخذ بعين الاعتبار مسبقاً رأي اليهود في العالم، يهود المنفى"، في الوقت الذي تطالب فيه دعم "المجتمع المدني الإسرائيلي" و"التعايش الإسرائيلي – الفلسطيني"، وتثني على "المحكمة العليا الإسرائيلية" التي "أثبتت خلال العقود الماضية أنها تمثل شرف إسرائيل"، وتنتقد "الدولة التي بصدد تدمير هذا المجتمع المدني الإسرائيلي الذي ضحى من أجلها اليهود منذ تيودور هرتزل". بعد التخلي عن التاريخ، لم يعد من الصعب أو من المستحيل الانزلاق نحو تحريف الواقع أيضاً لصالح المشروع الصهيوني.