د. ياسر ريناوي/رأي اليوم
تعد جائزة نوبل أرفع وأهم الجوائز العالمية وأقصى ما يطمح اليه الكتاب والشعراء والمبدعون والفنانون والمفكرون والسياسيون والعلماء في شتى مجالات العلم والفن والإبداع .
وبالرغم من ذلك فلقد رفضها الكاتب والفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر، عندما عرضت عليه، وقال فيها ما لم يقله مالك في الخمر، واصفا إياها، بمقال جميل وطويل، بأنها جائزة مسيسة وموجهة ومنحازة، تتحكم بها المخابرات الأمريكية واللوبي الصهيوني والأوساط الاستعمارية المعادية للاتحاد السوفييتي (السابق) ولحركات التحرر القومي المناهضة للاستعمار. وجاء بأمثلة عينية حية عن هذه الجائزة وعن بعض الحائزين عليها. وكيف أنها أعطيت لكتاب نكرات لم يسمع بهم أحد على إنتاج ”أدبي” ليس ذا قيمة أدبية ولم يسمع به أحد، فقط لأن هذا الإنتاج “الأدبي” بمضمونه ومحتواه وأهدافه، معاد للإتحاد السوفييتي، وليس لأي سبب آخر... ولم تمنح جائزة نوبل مثلا لكتاب سوفييت كبار ومبدعين من أمثال ميخائيل شولوخوف أو غيره، مما جعل القائمين على الجائزة، يفكرون قليلا، ويعيدون النظر في سياستهم وقراراتهم، ولو مؤقتا، فمنحوها لشولوخوف فيما بعد، ربما من باب رفع العتب .
انتظر العالمان اليابانيان اللذان اخترعا مصابيح ال “لد ” (LED) الموفرة للطاقة، التي انتشرت في العالم كانتشار النار في الهشيم، أكثر من عشرين عاما حتى حازوا على جائزة نوبل، بينما اعطيت الجائزة (للرئيس الأميركي السابق باراك) أوباما قبل مرور شهر على بداية ولايته الرئاسية الأولى، وقبل أن يظهر خيره من شره .
أما العرب فحالهم مع جائزة نوبل كحال علاقتهم مع الولايات المتحدة، فقبل أن ترضى عنهم الولايات المتحدة يجب أن ينالوا رضى "إسرائيل"، وهكذا نرى أن الذين حازوا على جائزة نوبل من العرب نوعان من الرجال: إما أنهم حصلوا على رضى "إسرائيل" عنهم أولا قبل حصولهم على الجائزة، وإما انهم حصلوا عليها، ليس كأفراد بل بمعية "إسرائيليين" وآخرين، بالشراكة .
(الرئيس المصري الأسبق أنور) السادات حصل على الجائزة بالمناصفة مع (رئيس وزراء العدو الأسبق مناحيم) بيغن وذلك تقديرا له على الـ ”عملة السودا” التي عملها في "كامب ديفيد" والصلح المنفرد مع "إسرائيل"، بعد أن أدار ظهره للعرب وللقضية الفلسطينية، ولسورية التى تحالف معها في حرب أكتوبر 73 وتخلى عنها في منتصف الطريق، وتخلى عن التزامات مصر تجاه أشقائها العرب ومعاهدات الدفاع المشترك وميثاق جامعة الدول العربية، وترك لـ"إسرائيل" الحبل على الغارب، تسرح وتمرح وتفعل ما تشاء، مما مهد له الطريق للوصول إلى رضى "إسرائيل" أولا، قبل الوصول ألى جائزة نوبل للسلام .
وأما ياسر عرفات فقد حاز على الجائزة بالشراكة مع (شمعون) بيرس و(إسحق) رابين، مثالثة أيضا، تقديرا له على ال”عملة السودا” في اوسلو، تلك “العملة السودا”، التي لا يزال الشعب الفلسطيني يعاني من نتائجها، ويدفع ثمنها والتي حولت الرياح عن أشرعة الانتفاضة الأولى، وأراحت "إسرائيل" ولو مؤقتا، وفتحت شهيتها أكثر، على قضم المزيد من الأرض الفلسطينية، تحت سمع وبصر السلطة الفلسطينية .
و(محمد) البرادعي أعطيت له جائزة نوبل للسلام، ضمن طاقم وكالة الطاقة الذرية، بعد أن زار "إسرائيل"، واجتمع مع (أرئيل) شارون، ولم يفتح فمه بكلمة واحدة عن برامج "إسرائيل" النووية، ولم يجرؤ على ذكر إسم مفاعل ديمونا على لسانه، وبالإضافة إلى ذلك، تقديرا له على خدمته الجليلة، باشتراكه في تلفيق تهمة سلاح الدمار الشامل للعراق، وتمهيد الطريق أمام الجيش الأميركي ليقوم بتدمير العراق، وهو يعرف حق المعرفة أن العراق لم يكن يملك شيئا من أسلحة الدمار الشامل، ما أثبتته الأيام .
أما نجيب محفوط فما كان ليحلم بالوصول إلى الجائزة، بغض النظر عن أهليته أو عدم أهليته لها، لولا موقفه المؤيد والمتحمس، علنا وبدون تردد أو تحفظ، للسادات وكامب ديفيد، مما مهد له الطريق للحصول على رضى "إسرائيل" عنه أولا، قبل الحصول على الجائزة، بينما لا تخلو الساحة العربية من أدباء، كتاب وشعراء ومفكرين عرب، جديرين بجوائز من هذا المستوى، ولم ينالوها .
وأخيرا وليس آخرا: العالم المصري أحمد زويل، الذي طبلت له وزمرت وسائل الإعلام والفضائيات المصرية والعربية، فقد عرج على "إسرائيل" أولا، في طريقه إلى نوبل، وحصل على جائزة من "إسرائيل"، قبل حصوله على جائزة نوبل، تقديرا لنشاطه وأبحاثه في تطوير أسلحة وصواريخ موجهة بأشعة الليزر في معهد وايزمن (الصهيوني)، تستخدم في ضرب غزة ولبنان وسوريا وربما في اليمن، مما أهله ومهد له الطريق للحصول على رضى "إسرائيل" قبل الحصول على جائزة نوبل، فحصول عالم عربي كهذا على جائزة نوبل، في هذه الظروف وبهذه الطريقة، يجند خبرته وإنجازاته العلمية في خدمة الآلة العسكرية "الإسرائيلية"، مقابل جائزة مالية من "إسرائيل"، وضمان حصوله على جائزة نوبل، لا يمكن أن يكون مدعاة فخر للعرب، لأنه بفعلته هذه لم يترك ما يربطه بمصر وبالعروبة، سوى الاسم ومسقط الرأس .
ولا ننسى اليمنية توكل كرمان، التي تعلن صراحة وقوفها إلى جانب التحالف السعودي، الذي يقوم بتدمير بلادها اليمن تدميرا ممنهجا، بقتل الأطفال والنساء والشيوخ، بلا رحمة، وتدمير التاريخ والحضارة اليمنية والمرافق الحيوية، وهكذا تثبت هذه المرأة اليمنية أنها تستحق جائزة نوبل للسلام، عن جدارة .
عندما نقرأ ما كتب سارتر عن أرفع وأهم جائزة في العالم، لا نستغرب، ونرى أنه لم يبالغ في وصفها، ولم يتجن على أحد، ولم يلق الكلام على عواهنه، ولم يظلم أحدا، بل أصاب كبد الحقيقة، ولا نتوقع من كاتب عظيم وفيلسوف وإنسان كبير مثل سارتر، أن يكون غير واثق مما يقول، أو أن يكون له موقف مغاير لهذا الموقف من جائزة نوبل .