/مقالات/ عرض الخبر

تطبيع من نوع جديد

2018/06/25 الساعة 10:20 ص
ضد التطبيع
ضد التطبيع

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

تشهد الساحة العربية والإسلامية في الوقت الحاضر مبادرات تطبيعية مختلفة، في مجالات عدة، تتنوع تبريراتها وأسبابها، إلا أن ما يجمعها هو دعم جهود العدو الصهيوني للتخلص من العزلة والمحاصرة الدولية بسبب جرائمه المتلاحقة بحق الشعب الفلسطيني، وطعن الشعب الفلسطيني ومقاومته بنفي أو الانتقاص من حقه في أرضه ووطنه. تشارك أنواع التطبيع وأشكاله كافّة، الرسمي والفردي والجماعي، الفكري والسياسي والإعلامي، في تصفية القضية الفلسطينية دعماً للجهود الأميركية وتصفية توجّه المجتمعات العربية والإسلامية نحو الاستقلال الحقيقي، والتخلص من التبعية الاقتصادية والسياسية والفكرية للغرب الامبريالي. لا يؤثر التطبيع الفردي والجماعي أو الرسمي على الشعب الفلسطيني ومساره النضالي فحسب، بل وعلى المجتمعات العربية والإسلامية وأنظمتها وحياتها السياسية وبنيتها الداخلية أيضاً، ذلك لأن العدو الصهيوني يمثل أخطر إفرازات الهيمنة الغربية على شعوب العالم، تتجلى بشرعنة الاستيطان والعنصرية والقتل والسرقة والكذب وتشويه التاريخ والأديان. فهي "الظاهرة الإسرائيلية" التي أشارت لها أدبيات حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، والتي استبدلت القيم الانسانية بقيم مشوّهة، تتكلم عن الحرية لإرساء العبودية وعن السلام للسيطرة على الشعوب وعن المساواة لإعادة صياغة مجتمعات خاضعة ومفكّكة.

بعد مؤتمر مدرير (1991) واتفاقيات أوسلو (1993)، صعدت موجة تطبيعية مع العدو الصهيوني بذريعة "البحث عن السلام"، حيث روّجت الدوائر الغربية والأممية الموالية لها (الأمم المتحدة والمنظمات الدولية التابعة لها) أن تطبيع العلاقات مع العدو يدعم عملية "السلام"، التي كانت في التسعينيات من القرن الماضي تعني إطلاق وهم "حلّ الدولتين" على حساب الحق الفلسطيني الكامل، من تحرير وعودة اللاجئين. وافقت بعض الدول العربية على فتح مكاتب تمثيلية رسمية صهيونية في بلادها، وأطلقت المنظمات غير الحكومية العالمية والمحلية المموّلة منها حملات لحث المجتمعات على تطبيع علاقاتها مع المجتمع الصهيوني الاستيطاني. فهدفت عبر لقاءات نخبوية إلى كسر الحاجز النفسي لدى المجتمعات أمام تلك العملية التطبيعية، ما فتح المجال للتغلغل الصهيوني في الدول العربية، بحجة "البحث عن السلام". شاعت خلال تلك الفترة مقولة "لا يمكن أن نكون ملكيين أكثر من الملك" لدى نخب وحكام وأحزاب عربية كانت تنتظر الوقت المناسب لإقامة علاقات مع الصهاينة، فتذرعت باتفاقيات أوسلو وإقامة السلطة الفلسطينية على جزء من الأراضي المحتلة، التي تمادت بعلاقات ثنائية مع كيان العدو في كافة المجالات، الأمنية والاقتصادية والثقافية، أحياناً تحت ضغط المجتمع الدولي، وأحياناً بحثاً عن مصالح فئوية.

أفضى التغلغل الصهيو-أميركي في الدول العربية، تحت ستار "المجتمع الدولي"، إلى تبديل المناهج التعليمية وإزالة كل ما يتعلّق بالقضية الفلسطينية منها، في سعي لمحو موقعها المركزي من أذهان الجيل الصاعد وإلغاء الرابط الحضاري والسياسي والجغرافي بين الشعوب العربية، واستبدالها بأمور محليّة ضيقّة. وفتحت بعض الفضائيات العربية (مثل "الجزيرة" وأخواتها الخليجية) مجالها "للرأي الآخر" أي الإعلام الصهيوني الرسمي وغير الرسمي، بحجة حرية الرأي والانفتاح على الآخر، من أجل مدّ الجسور والتعارف بين "الشعوب" وكسر الحاجز النفسي الرافض لأي علاقة مع العدو.

بعد هذه الفترة التمهيدية التي ساهمت في تغلغل الأكذوبة الصهيو-أميركية حول "السلام"، تشهد المنطقة حملة تطبيعية من نوع أخر، منذ بضعة سنوات، لم تعد تلتفت إلى الشعب الفلسطيني ولا إلى حقوقه المشروعة، بل تتمادى في دعم الإرهاب الصهيوني وعدوانه، ودعم الإرهاب الأميركي وسيطرته على العالم. لقد تبنّت كلياً النظرة الصهيو-أميركية إلى العالم وقررّت الوقوف إلى جانب العدوان والنهب وتفكيك المجتمعات والبلاد، وتتحدى شعوبها التي أصبحت بنظرها متمسكة بقيم بالية، أي قيم الكرامة الإنسانية والاستقلال والعروبة والعداء لأي عدوان. بالنسبة للمهرولين إلى التطبيع اليوم، السلام هو "السلام الصهيو-أميركي" الذي تبنّوه بكل تجلياته على الشعوب العربية والإسلامية.

عندما يقرّر وزير خارجية السنغال، السيد صديقي كابا، خلال زيارته إلى الكيان في شهر آذار / مارس الماضي، اقتحام المسجد الأقصى بحماية الشرطة الصهيونية، فهو لم يسع إلى إزالة "التوتر" في المنطقة، بل يدعم بكل وعيه، العدوان الأميركي باعتبار مدينة القدس عاصمة الكيان، ومحاولات العدو للسطو على المسجد الأقصى. تشير سيرته السياسية إلى كونه من أبناء "المنظمات الدولية" المهتمة بحقوق الإنسان والداعية إلى الحريات في العالم، وكان عضواً في المحكمة الدولية من 2014 إلى 2017، ما يدلّ على التوجّه الجديد لهذه النخبة العالمية التي أفرزتها مرحلة وهم السلام، والتي سرعان ما أزالت القناع عن خطابها القديم، مع الهجمة الأميركية الأخيرة، لتتبنى موقفاً استفزازياً عدائياً واضحاً ضد الحق العربي الإسلامي الفلسطيني.

على خطى دولة البحرين، زار وفد أندونيسي علمائي دولة العدو بحجة "حوار الأديان"، برئاسة يحيى ستاكوف، الأمين العام لجمعية "نهضة العلماء"، رغم الانتهاكات المستمرة الصهيونية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين. فاعتبار الكيان الصهيوني ممثلاً لطائفة اليهود في العالم وإقامة العلاقات معه، بحجة حوار الأديان أو البحث عن السلام، يشكّل عدواناً سافراً على فلسطين والأمة العربية والإسلامية، لا سيما وأن الزيارة التي أدانها الشيخ محمد حسين، المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية، أتت بعد الإعلان الأميركي حول القدس، وكأنها تريد إضفاء شرعية إسلامية عليه، في تحدٍ واضح للشعب الفلسطيني وللعرب والمسلمين في العالم.

الزيارات المتتالية إلى الكيان الصهيوني لوفود عربية (من المغرب والبحرين)، في الفترة الأخيرة، لم تقصد بناء جسور "السلام"، بل الإفصاح عن انتمائها إلى معسكر العدوان الصهيوني تحت الراية الأميركية. هذا ما استنتجه الأمين العام للمرصد المغربي لمناهضة التطبيع مع الكيان الصهيوني الذي صرّح أنه "لا يمكن تبرير هذه الزيارات حتى من داخل سياق ما يسمّى بالتسوية". والأمر ذاته لكل "الزائرين" الرسميين الذين يسعون إلى توطيد العلاقة مع الكيان من الناحية الأمنية والاقتصادية والسياسية، تحت المظلة الأميركية، لمواجهة ما يعتبرونه تحدياً استرتيجياً، أي كل من يقاوم وجود الكيان الصهيوني على أرض فلسطين.

تمثل العلاقات بين أقلية من "أمازيغ" المغرب العربي (في المغرب والجزائر) والكيان الصهيوني مثالاً للتطبيع المدمّر للبنية الاجتماعية في الدول العربية. قبل أسابيع، دعا زعيم "حركة تقرير مصير منطقة القبائل" (الماك) الجزائري فرحات مهني، المقيم في لندن، أنصاره إلى إنشاء قوة مسلحّة لمحاربة أجهزة الدولة الجزائرية، وكانت وفود "أمازيغية" من المغرب قد تمّ "استضافتها" في الكيان خلال السنوات الماضية، لتلقينها دروساً عن "المحرقة بحق اليهود" وإثارة مسألة "تحرير الأمازيغ من الاحتلال العربي". تشير التقارير الصحافية إلى إقامة علاقات بين جماعة "الماك" الجزائرية والمخابرات الصهيونية التي تدرّب شباب المجموعة في قبرص واليونان على القيام بعمليات خاصة. رغم قدم العلاقة بين بعض المجموعات المنتمية إلى "أقليات" دينية وإثنية في الوطن العربي والكيان الصهيوني، وكان الاستعمار الغربي قد مهّد الطريق، فكرياً وسياسياً، لتلك العلاقات، تكمن خطورة هذه العلاقات اليوم بأنها تستغلّ انشغال الدول العربية بحروب وصراعات داخلية بدلاً من التوجّه إلى الصراع المركزي مع العدو الصهيوني. رغم أن هذه الحركات "الانفصالية" ذات التوجه العنصري المعادي للعرب والمسلمين لا تمثّل إلا أقلية ضمن هذه "الأقليات"، إلا أنها تفتح الأبواب أمام تغلغل الأيديولوجية الصهيونية المغلّفة بقيم "الحرية" و"الديمقراطية" و"المساواة"، التي تعني، قبل أي شيء آخر، تفكيك المجتمعات العربية لصالح النفوذ الغربي والصهيوني.

تحتاج الهرولة التطبيعية الجديدة إلى مواجهة إعلامية وفكرية وسياسية، تنطلق من أسبابها ومن تداعياتها على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية والإسلامية الأخرى، وفضح الأساطير والقيم الزائفة التي يتبناّها المطبعون لتبرير جريمتهم بحق شعوبهم وبحق الشعب الفلسطيني، الضحية الأولى من زرع الكيان الصهيوني. يوضح محند بيري، أستاذ الفلسفة، في مقابلة (الأخبار 18 حزيران / يونيو) حول حركة "الماك" الجزائرية، بأن "التحدي ليس عسكريّاً أو أمنيّاً، بل أيديولوجيّ واستراتيجيّ. أيديولوجيّ لأنّه يجب علينا تعبئة مختلف الموارد الفلسفيّة والقانونيّة المتوافرة لنا في العالم الحاليّ"، إلى جانب الجهد الإعلامي والسياسي المباشر لمنع توسّع هذه الظاهرة المهدّدة لتماسك المجتمعات العربية.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/127476

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا