قائمة الموقع

انتفاضة السفن… من أجل القطاع المظلوم

2018-06-18T10:14:23+03:00
قلم
وكالة القدس للأنباء – متابعة

بقلم: محمـد عبد الـرحمـن عريـف  

على هذه الأرض ما يستحق الحياة، فسنة تلو الأخرى، يشتد الحصار على غزّة. لقد تخمّر الغضب الشعبي في جميع أنحاء العالم ضد حصار هذا الشعب، وظهرت فعاليات شعبية ودولية حاولت كسر الحصار بأيّ شكل من الأشكال، إما عبر تنظيم المسيرات إلى المعابر، أو توجيه الرسائل إلى الحكّام عبر وسائل الإعلام، وكذلك، عبر المؤتمرات الصحافية التي تشرح أبعاد هذا الحصار وآثاره على كلّ نواحي الحياة في هذه البقعة من العالم. وكان ذلك بعدما أحجمت دول الجوار عن تقديم يد العون لأشقاء استنجدوا طلباً للمساعدة، بل ومنعت وصول المساعدات براً.

جاءت البداية حين فرض الاحتلال "الإسرائيلي" الحصار على قطاع غزّة الساحليّ في صيف 2007، لكن أحرار العالم والمتضامنون مع القضيّة الفلسطينيّة جاءت منهم العديد من محاولات كسر الحصار الضارب على غزّة، لتقديم المعونات والمساعدات الغذائيّة والطبيّة لقرابة مليوني غزاوي، يختنقون في أكثر البقع كثافة سكانيّة في العالم. وقد يذوق هؤلاء المتضامنون ألوانًا من الذلّ على عتبة بوابة معبر رفح البرّي تارة، وتراهم يلاطمون أمواج البحر تارة أخرى، ولا يُثنيهم ذلك عن إعادة الكرّة، مرّة تلو الأخرى.

إنها سفن الحرية؛ مجموعة من ست سفن، تضم سفينتين تتبعان مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية. واحدة من هاتين السفينتين «مافي مرمرة». ومولت السفينة الأخرى بتمويل كويتي وجزائري، وثلاث سفن أخرى تابعة للحملة الأوروبية لرفع الحصار عن غزة وحملة السفينة السويدية وحملة السفينة اليونانية ومنظمة غزة الحرة، تحمل على متنها مواد إغاثة ومساعدات إنسانية، بالإضافة إلى نحو 750 ناشطًا حقوقيًا وسياسيًا، بينهم صحافيون يمثلون وسائل إعلام دولية.

جهزت القافلة وتم تسييرها من قبل جمعيات وأشخاص معارضين للحصار "الإسرائيلي" المفروض على قطاع غزة ومتعاطفين مع شعبه، وفي مقدمة المنظمين لرحلة أسطول الحرية مؤسسة الإغاثة الإنسانية التركية. انطلق أسطول السفن من موانئ دول مختلفة في جنوب أوروبا وتركيا، وكانت نقطة التقائها قبالة مدينة ليماسول في جنوب قبرص، قبل أن تتوجه إلى القطاع مباشرة.

انطلق الأسطول باتجاه قطاع غزة في 29 أيار/ مايو 2010، محملًا بعشرة آلاف طن من التجهيزات والمساعدات، والمئات من الناشطين الساعين لكسر الحصار، الذي بلغ عامه الثالث على التوالي.

في حادثة فريدة وغير مسبوقة، نجحت المحاولة الأولى لكسر الحصار، ووصلت سفينتا «الحريّة» و«غزّة الحرّة» إلى شواطئ غزّة، عشيّة 23 آب/ أغسطس 2008، بعدما انطلق حوالي أربعين متضامناً دوليّاً من موانئ جزيرة قبرص في رحلة شاقة عبر البحر صوب شواطئ القطاع، جالبين معهم بعض المساعدات الطبيّة. وعلى الرغم من صغر حجم السفن ورمزيّة المساعدات، إلا أنّ هذه الخطوة كسرت أوّلى حلقات الحصار "الإسرائيلي" المفروض على القطاع.

بعد شهرين من وصول «الحريّة، وغزّة الحرّة»، رست سفينة «الأمل» الليبيّة صبيحة يوم 29 تشرين الأول/اكتوبر 2008 في ميناء غزّة، بعد انطلاقها من ميناء «لارنكا» القبرصي، وتحدّيها للبحريّة "الإسرائيليّة" التي حاولت ثنيها وحرف مسارها. حطّت السفينة، وعلى متنها 27 ناشطاً ينتمون إلى 13 دولة، من بينهم النائب السابق في المجلس التشريعي الفلسطيني الدكتور مصطفى البرغوثي.

بعد أسبوع من مغادرة سفينة «الأمل» قطاع غزّة، وعلى متنها المتضامنون وعدد من الجرحى والمرضى الفلسطينيين الذين نقلوا لتلقّي العلاج في الخارج، وصلت إلى شواطئ غزّة سفينة «الكرامة» في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 2008، وعلى متنها 22 ناشطاً، بينهم وزيرة التعاون الدولي البريطانية في حكومة توني بلير السابقة كلير شورت.

بعد ثلاث رحلات بحريّة ناجحة اخترقت الحصار المضروب على غزة من حدودها الغربيّة، أعلن رئيس «اللجنة الشعبية لمكافحة الحصار» جمال الخضري عن انطلاق مجموعة عربية من السفن، من ليبيا، وقطر، والكويت، واليمن، بالإضافة إلى خامسة تركية. الأمر لم يرق للمحتلّ "الإسرائيلي" بطبيعة الحال، فاعترض سفينة «المروة الليبية» قُبالة شواطئ غزّة، في المياه الإقليميّة، في 1 كانون الأول/ديسمبر 2008. أجبر الاحتلال السفينة على الرجوع إلى ميناء العريش، وتفريغ حمولتها التي تُقدّر بثلاثة آلاف طن من المساعدات الغذائية والدوائية هناك، ومن ثم إدخالها إلى القطاع من خلال المعابر التي تتحكّم بها السلطات "الإسرائيليّة".

ما حدث هو أنه بعد منع «المروة» من الوصول إلى ميناء غزّة، اعترضت البحريّة "الإسرائيليّة" بعدها بستّة أيّام فقط، في 7 كانون الأول/ديسمبر 2008، سفينة «العيد»، التي كانت تحمل مساعدات طبيّة ومعونات إغاثيّة مُقدّمة من فلسطينيي الداخل المحتلّ في العام 1948. وكأنّ "إسرائيل" في ذلك الوقت اتخذت قراراً داخليّاً بمنع أي سفينة تضامنية من الوصول إلى غزة. لكن، حينها أيضاً، حقّق حصار غزّة ذروة التناقضات في كل شيء: ففي حين تعترض "إسرائيل" وصول السفن إلى القطاع، تراها لا تمانع أن تفرغ تلك السفن حمولتها في ميناء أسدود، ومن ثم نقل تلك المساعدات إلى القطاع بمعرفة المحتل.

في الشهر ذاته، وقُبيل حرب غزّة الأولى بأسبوع واحد، وصلت سفينة «الكرامة» القطريّة إلى ميناء غزّة في 20 كانون الأول/ديسمبر 2008، وكانت قادمة من ميناء لارنكا القبرصي، تحمل على متنها مساعدات إنسانية مقدمة من أهل قطر للشعب الفلسطيني في قطاع غزة، ومتضامنين أجانب وصحافيين، وشخصيات تمثل جمعيات خيرية قطرية.

تطورت الأحداث مع السنوات، وفي 2 شباط/فبراير 2009، وبعد عدوان دامٍ على قطاع غزّة، اعترضت القطع البحريّة "الإسرائيليّة" سفينة «الأخوة اللبنانيّة» في المياه الإقليميّة الفلسطينيّة، ومنعتها من بلوغ شواطئ القطاع، ومن ثم اقتادتها إلى ميناء أسدود، واعتقلت ركابها الثمانية. وكالعادة، ولأن السفينة تحمل مواد إغاثيّة حقيقيّة، وبكميّات كبيرة، قالت "إسرائيل" إنها تشتبه بوجود أسلحة وذخائر على متن السفينة. الأمر الذي تكرر مع سفينة «روح الإنسانية»، التي اعترضتها "إسرائيل" في 30 حزيران/يونيو 2009، وكانت تتبع أيضاً لحركة «غزّة الحرّة»، وحملت مساعدات، ونشطاء أوروبيين وعرباً.

في تلك الفترة تطوّرت محاولات تسيير سفن صغيرة لكسر حصار غزّة إلى ما هو أكبر من ذلك. فقد قررت ستّ منظمات دولية غير حكومية، أبرزها «هيئة الإغاثة الإنسانية التركية" (İHH) ، تطوير محاولات كسر الحصار البحريّ على غزة عبر الانتقال إلى مرحلة «الأساطيل»، وعدم الاكتفاء بسفن صغيرة. تم تجهيز «أسطول الحرية الأوّل»، المكوّن من خمس سفن، أكبرها سفينة «مافي مرمرة» التركية، وعلى متن الأسطول قُرابة 750 ناشطاً من 37 دولة.

في 31 أيار/مايو 2010، وفي أثناء إبحار الأسطول في المياه الدولية في عرض البحر المتوسط، هاجمت قوات كوماندوس تابعة للبحرية "الإسرائيلية" السفينة التركية، طليعة الأسطول، بالرصاص الحي والغاز المسيل للدموع، وكانت تحمل على متنها أكثر من 500 متضامن، معظمهم أتراك. واستشهد عشرة من المتضامنين الأتراك، وجرح خمسون آخرون، ما أحدث توتراً في العلاقات التركية "الإسرائيليّة"، وأدى إلى استنكار دولي واسع، أجبر "إسرائيل" في ما بعد على التخفيف من حصارها على قطاع غزة.

بعد جريمة «أسطول الحرية» الأول، حاول العديد من المؤسسات تكرار المحاولة، وإطلاق أسطول جديد، وتحديداً في العام 2011. وكان من المفترض أن يبحر أسطول «الحرية 2» من ميناء كريت في اليونان متجهًا إلى غزة، إلا أن ضغوطاً "إسرائيلية" مُورست على الحكومة اليونانيّة حالت دون انطلاقه من موانئها. وكان الأسطول يتكون من أربع سفن تضامنية، تُقل على متنها نحو 60 ناشطًا من 22 دولة، منها: النرويج، اليونان، إيرلندا، ودول عربية. وعلى غرار القرصنة "الإسرائيليّة" التي تعرّض لها أسطول الحريّة الأوّل، اعترضت البحريّة "الإسرائيليّة" طليعة أسطول الحريّة الثالث، سفينة «ماريانا» السويدية، وسيطرت عليها بالقوّة في أثناء إبحارها في المياه الدولية في طريقها إلى القطاع.

ضمّ «أسطول الحريّة 3» أربع سفن غير «ماريانا»، أبحرت صوب شواطئ غزّة، تُقل على متنها ناشطين وبرلمانيين عربًا وأوروبيين متضامنين مع غزّة، يسعون لكسر الحصار المفروض عليها. كما حملت السفن مساعدات غذائية ودوائية إلى القطاع، وشحنة ألواح شمسية للمساعدة في تخفيف وطأة مشكلة الكهرباء التي يعاني منها حوالي 1.9 مليون فلسطيني داخل القطاع.

عندما انطلق أسطول الحريّة الثالث من أوروبا صوب شواطئ غزّة، كانت عيون الغزّيين مشدودة نحو الأفق، وكان كلّ نتوء زائد فوق صفحة الماء يحسبه أهل غزة الظمآنين سفناً. مع ذلك، فإن مخاوفهم الداخليّة من اعتراض البحريّة "الإسرائيليّة" للأسطول في عرض البحر كانت أكبر بكثير من شغفهم لوصول الأسطول، واستقباله. لهم تجربة طويلة مع سفن كسر الحصار التي اُعترضت، وقُرصنت، قُبالة شواطئ غزّة.

هنا قد تكون انتفاضة السفن هذه، نجحت في تحديد معالم جديدة للسياسة "الإسرائيلية" لم تكن واضحة من قبل. صحيح أن "إسرائيل" لم تعترض سفن كسر الحصار الأولى، الثانية، الثالثة، ولا الرابعة، وكلهم جاءوا على متنها عبر قبرص، لكنها أقامت الدنيا ولم تقعدها عندما جاءت سفينة «المروة الليبية». وفي المقابل، فتحت المعابر جزئياً لإدخال مساعدات إنسانية في محاولة لنفي دواعي وصول السفينة الليبية.

ينبغي هنا إدراك الفوارق بين كل هذه الرحلات. ببساطة، رحلة «المروة» لم تكن رمزيّة. فهذه السفينة هي سفينة شحن حقيقية، عليها حمولة كافية لإنعاش غزة -الفقيرة في كلّ شيء- شهوراً. الأمر الآخر الذي أشارت إليه مصادر أمنية "إسرائيلية"، هو أن «المروة» قدمت من دولة «غير مشجعة لإسرائيل». وفي ظل هذا الاعتقاد، أطلقت مزاعمها بوجود "أسلحة وخبراء إيرانيين وأشخاص غير مرغوب بوجودهم في غزة"، أملاً في إقناع العالم بالقواعد التي تريد "إسرائيل" ترسيخها.

إذاً، "إسرائيل" ترحّب بأي سفينة صغيرة تقل متضامنين، وحبّذا لو كانوا من دول غربية. تشجع "إسرائيل" ذلك، طالما الحراك لا يقدّم معونات حقيقية للمحاصرين. ويشترط أن تنطلق من ميناء «لارنكا القبرصي»، مع إقامة لأيام فحسب، وتسمح بخروج طلاب حاصلين على تأشيرات من دول غربية، ولا مانع من وجود وسائل إعلام أو تجهيزات كاملة للتغطية الإعلامية على كلّ سفينة. فمع الأيام، ستثبت هذه الصور رواية أن "إسرائيل" لا تحاصر قطاع غزة إلا لدواع أمنية، وهذه السفن تشهد بذلك.

نعم مع اشتداد حصار غزّة، باتت الحاجة مُلحّة إلى التفكير في ممرٍ آخر يسلكه المتعاطفون مع غزّة، غير معبر رفح البرّي الذي تغلق السلطات المصريّة أبوابه أغلب أيّام الأسبوع بوجه المسافرين. وإذا كان مفتوحاً، فهي تمنع عشرات الأجانب من دخول غزّة، لدواعٍ أمنيّة. هنا، بدأت سفن كسر الحصار تنسج قصّتها مع قطاعٍ ساحلي يفتقر إلى أدنى مقوّمات مرفأ حقيقيّ لاستقبال السفن الكبيرة! فيا أحرار العالم.. متى يبدأ فك الحصار الحقيقي؟ لأنه على هذه الأرض ما يستحق الحياة.

 

كاتب وباحث في تاريخ العلاقات الدولية والسياسة الخارجية

 

اخبار ذات صلة