قائمة الموقع

من غزة إلى حيفا: وحدة الشعب والقضية

2018-05-22T08:58:47+03:00
مظاهرة في حيفا المحتلة
وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

من بين المسيرات والمظاهرات كافة التي اندلعت في الداخل المحتل عام 1948، دعماً لمسيرة العودة في قطاع غزة ورفضاً للمجازر الصهيونية ولتهويد القدس، احتلت مظاهرة شباب حيفا موقعاً خاصاً، كما يشير مراقبون في الداخل. أولاً، بسبب الشعارات التي رفعت مساء يوم الجمعة في 18 أيار / مايو، حيث لم يطالب المشاركون في المظاهرة بـ"الحريات" و"المساواة"، بل نادوا بكل قوة بالوحدة، وحدة الشعب الفلسطيني في وجه الاحتلال الواحد. "يا فلسطين جاي جاي الحرية"... "علي علي علي، علي علم الثورة علي، ع كل الأرض المحتلة"... الكيان الصهيوني، بالنسبة لهم هو "دولة الإرهاب"، وأجهزته الأمنية والمخابراتية أجهزة إرهابية لا يرعبهم بطشها: "قولو لكلاب الشاباك اليوم يوم الاشتباك". عبّرت الهتافات عن الخط السياسي الذي جمع المشاركين، فكانوا "يهتفون برنامج الشعب الفلسطيني ولا يهتفون شعارات وبرامج أحزابهم" (رجا أغبارية). فاعتبر المنظّمون، في بيان صدر اليوم التالي باسم الحراك الشبابي "اغضب مع غزة" أن "ما نقوم به جميعًا من أجل غزّة هو القليل القليل، في ظلّ ما يقوم به أهلنا في غزّة الصامدة. أهلنا الذين يدفعون ارواحهم ثمنًا لهذا النضال، ويعيدون به قضيّتنا إلى الواجهة العالميّة، ويستنهضون همم الفلسطينيّين في زمن الانحسار والتقاعس والشرذمة".

ثانياً، غابت القيادة السياسية عن المظاهرة، ولم يخرج أي خطاب سياسي عن أي منهم يشكر كالعادة المتواجدين وينتظر التصفيق. كانت قيادة المظاهرة ميدانية، دعت إليها الشبيبة الحيفاوية، المنتمية وغير المنتمية إلى الأحزاب المرخصّة من قبل الاحتلال، والمشاركة وغير المشاركة في الكنيست الصهيوني، كما وضّح بيان الحراك بالقول إنهم "يترفعّون عن الحزبيّة والخلفيّات السياسيّة، ليقولوا كلمتهم، وليمارسوها دون أيّة حسابات ضيّقة، ودون أن يحوّلوها لمكاسب سياسيّة". اعتبر البعض أن "الشباب فكّرت كيف تحمي شعبها وقضيته الوطنية كُلها، كيف تحمينا كلنا من الموت السياسي، كُلنا وبكل محل، حتّى لو اعتقلوا وقتلوا وهجّروا. قالوا: إحنا شعب واحد، دم واحد، قضيّة وحدة" (رازي النابلسي).

رتّبت هذه القيادة الميدانية، التي توقّعت قمع الشرطة والشاباك، كيفية التظاهر والوصول إلى الساحة، واتصلت مسبقاً ببعض الإعلاميين والحقوقيين لتوثيق القمع المنتظر واستخدام الأشرطة الدالة على همجية الاحتلال في المحاكم. أضاف بيان "الحراك": "لأننا نعرف ونتوقّع العدوانيّة والهمجيّة الإسرائيليّة، فإنّ التجهيز لموضوع الاعتقالات (قد تمّ) قبل المظاهرة بأيّام". لم يطلب الداعون إليها ترخيصاً من شرطة الاحتلال، ذلك لأن "شعبنا ليس بحاجة إلى ترخيص من شرطة العدو كي يناضل" (رجا أغبارية)، خلافاً للمظاهرات والمسيرات التي دعت وتدعو إليها لجنة المتابعة أو الأحزاب المشاركة فيها. فلذلك، كانت مدينة حيفا تشبه ثكنة عسكرية، وفقاً لبعض من حاول الالتحاق بالمظاهرة، حيث تجمّع مئات من عناصر الشرطة والمخابرات الصهيونية في مفاصل المدينة كافة، قبل وأثناء المظاهرة، ولم يسمحوا لأحد بالالتحاق بها، ما أثّر على عدد المتظاهرين.

ثالثاً، ذكّرت هذه المظاهرة بالمظاهرات والمسيرات التي حصلت ضد خطة برافر عام 2013 و بالوقفات الاحتجاجية والمسيرات دعماً لمعركة الكرامة في السجون الصهيونية، حيث اشتبكت مع قوات الاحتلال، ورفعت الأعلام الفلسطينية، رغم معارضة بعض الأحزاب، لا سيما في مسيرات النقب، وقطعت الطرقات، وخاصة الطريق المحاذي لبلدات المثلث، الذي يستخدمه المستوطنون، ما أسفر عن اشتباك مع شرطة العدو واعتقالات. ما يعني أن الشباب المنتفض في الداخل لا يهرب من الاشتباك مع قوات العدو، فهو على يقين أن القمع آت، بسبب طبيعة الاحتلال الذي لا يميّز بين الفلسطينيين و"المواطنين العرب" وقت الحسم.

رابعاً، وضعت هذه المظاهرة القيادة السياسية الفلسطينية في الداخل، المتمثلة في لجنة المتابعة أو القائمة المشتركة (في الكنيست)، في موقع شكّ نسبة لنبض الجماهير، وهو ما أكّد عليه عدد من التعليقات والمقالات، لا سيما بعد أن حاول النائب أيمن عودة، رئيس القائمة المشتركة، إلقاء اللوم على المتظاهرين بسبب القمع الذي لحق بهم، و"تحويل شعارات التظاهر من حق العودة وكسر الحصار إلى موضوع "العنف البوليسي"، أي "تشويه لنضال متلاحم تمامًا مع خطاب وروح الوحدة النضالية الفلسطينية بين الداخل وغزة - وإرجاعها لمربع الخطاب السياسي للأقلية العربيّة في إسرائيل" (مجد كيال) الذي تابع بالقول "الشباب يضحّون من أجل وحدة شعبنا النضالية في الداخل وغزة". في مقال طويل، يعترف عوض عبد الفتاح، الأمين العام السابق لحزب التجمع الديمقراطي أن "الهيئات العربية العليا" عاجزة "عن القيام بأي نشاط جماهيري ذي معنى ونتيجة، وقد ذكر بالاسم "لجنة المتابعة العليا، واللجنة القطرية للسلطات العربيّة المحليّة، والقائمة المشتركة، وغالبية الأحزاب".  

خامساً، تدلّ طبيعة القمع الصهيوني في حيفا أن العدو يخشى من انتشار هذا النمط من المشاركة في "مسيرة العودة" إلى الداخل والضفة الغربية. في قطاع غزة، يقتل بشراسة ومنهجية ولا يبالي بكل المواقف الدولية الشاجبة، كي لا تنتقل المسيرة إلى باقي الأراضي الفلسطينية والمهجر، ولمنع الفلسطيني من التفكير بمسألة العودة إلى بلاده. في حيفا، خشي العدو من انتقال الزخم والعنفوان والحراك غير المنضبط حزبياً إلى مناطق أخرى في الأراضي المحتلة عام 1948 وإلى الضفة الغربية والقدس، لأنه يدرك مدى جهوزية الجماهير الفلسطينية الواسعة لهذا النمط من المشاركة والاشتباك معه.

اخبار ذات صلة