قائمة الموقع

عندما يخاف السارق من ضحيته

2018-05-03T07:45:43+03:00
مسيرات العودة
وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

منذ اندلاع مسيرة العودة في قطاع غزة، يوم 30 آذار الماضي، وتشييد "خيام العودة" على مسافة قريبة من السياج الشائك الذي نصبه الاحتلال على أراضي القطاع، خرجت تصريحات عدة لقادة العدو تظهر إرباكها الشديد وتخوفاتها من استمرارها، وفقدانها السيطرة على الوضع. فهدّدوا وتباهوا بقوة نيرانهم واختلقوا الأعذار لأنفسم ولمن يريد تصديقهم لتبرير جرائمهم، في حين كان جنودهم المتمترسون خلف السياج يقتلون العشرات من الشباب ويجرحون الآلاف منهم، بنيّة إحداث عطب دائم في أجسادهم، لا سيما وأن قطاع غزة يعاني من حصار يؤثر على سير العمل في المستشفيات.

بمجرد الخروج لطرح مسألة عودة اللاجئين إلى ديارهم في فلسطين المحتلة عام 1948، أصاب العدو وأركانه وإعلامه ومؤسساته، هلع فكري وسياسي غير مسبوق؛ ذلك أن مسيرة العودة التي يصرّ أهل غزة على مواصلتها إلى يوم 15 أيار وما بعد، تطيح بالفكر والأداء الصهيوني من أساسه. لقد اعتاد العدو على المطالبة بإلغاء حق العودة في مناسبات عديدة، لأن الشعب الفلسطيني لم يسقط هذا الحق وظل يطالب به، رغم الابتعاد عنه من قبل البعض الذين يطالبون بتطبيقه بالتفاوض مع الاحتلال وضمن مسيرة تفاوضية شاملة تنتقص منه أو تلغيه نهائياً. يدرك العدو أنه طالما بقي حق العودة، وحقوق الفلسطينيين الأخرى، في نطاق التفاوض المباشر أو غير المباشر، عن طريق الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، فبإمكانه التغلّب على الخصم وابتلاع المزيد من الأراضي وتهويد القدس والمقدسات، والتلاعب على المفاهيم والمصطلحات حتى إفراغها كلياً من مضامينها الأصلية.

المطالبة بحق العودة إلى الديار الأصلية في فلسطين المحتلة عام 1948 تقلق الاحتلال لأنها تعيد التاريخ إلى ما قبل 1948، إلى وجود فلسطينيين في أرضهم وبيوتهم وعلى أراضيهم، وإلى مجتمع فلسطيني متكامل بفئاته المهنية والعمرية كان يعيش كما تعيش الشعوب الأخرى. حاول العدو خلال العقود الماضية إلغاء هذا الحق، بطرق مختلفة، من خلال محاربة الأونروا وتقليص عدد من يحق له العودة مبتدعاً مسألة الأجيال، وطرح مسألة التعويض بالمال العربي بدلاً من العودة. إلا أن هذه الاقتراحات سقطت أمام الإصرار الشعبي الفلسطيني على هذا الحق، لا سيما وأن المطالبة بحق العودة تستند إلى قرار أممي، أقيمت بموجبه وكالة الأونروا في الأمم المتحدة، الخاصة باللاجئين الفلسطينيين.

أظهرت المسيرات السنوية التي تنظمها جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين في الداخل المحتل عام 1948 إلى القرى المهجرة، بعد اتفاقيات أوسلو التي هدّدت هذا الحق، مدى انزعاج العدو الصهيوني منها، ولم يتحمّل مبادرات شعبية انطلقت للعودة فعلاً إلى بعض القرى، كالعودة إلى قرية الغابسية المهجرة مثلاً، ذلك لأنها تعيد أولاً إلى الذاكرة أن هناك قرى فلسطينية تم تدميرها وتهجير أبنائها لبناء مستوطنات يهودية، وثانياً أن أهل هذه القرى المهجرة ما زالوا يعيشون في البلاد وهم من المواطنين "الإسرائيليين"، ينظرون يومياً إلى قراهم وأراضيهم المسلوبة، كما يقول المؤرخ جوني منصور، دون أن يتمكّنوا من العودة إليها، وكان العدو قد طمأن نفسه إلى أن الأجيال اللاحقة للنكبة قد تستقر خارج بلداتها، نفسياً ومادياً، وثالثاً، لأن قرار منع عودة هؤلاء المهجّرين إلى قراهم مرتبط بالمؤسسة الأمنية أولاً وأخيراً، كما أثتبتت قضية قريتي كفر برعم وإقرت، حين وافقت المؤسسة القضائية على عودة أهاليها، ورابعاً، لأن المشروع الصهيوني القاضي بتدمير القرى والبلدات الفلسطينية لم ينته، وفقاً للغزاة، إلا بتهويد كل فلسطين، من نهرها إلى بحرها، في ماضيها وحاضرها.   

شكّلت مسيرات العودة في الداخل تحدياً وجودياً للمشروع الصهيوني لأنها طرحت البديل، أي عودة المهجّرين إلى قراهم الأصلية. كيف إذن سيواجه العدو مسيرات العودة التي قد تنطلق من ساحات اللجوء، إن كان من قطاع غزة أو الضفة الغربية ودول "الطوق" التي استقبلت اللاجئين الفلسطينيين عام 1948 وما بعد، أي من لا يحمل "الجنسية الإسرائيلية"؟ لا يمكن تفسير همجية الاحتلال وارتكابه مجزرة (عشرات الشهداء) على مسمع ومرأى العالم، بحق شعب خرج بعشرات الآلاف، بطريقة سلمية، مطالباً بالعودة إلى قراه وبلداته الأصلية، إلا بسبب هيجانه وصدمته من مجرد فكرة العودة، وعودة "أهل غزة إلى الجذور" وإلى "ما لم يتم احتلاله في أذهاننا"، كما يقول الأستاذ منير فاشة، في وصفه لمسيرات العودة الحالية. وفي حين يعمل ليلاً نهاراً من أجل طرد من بقي في أرضه وقراه، في الجليل والمثلث والنقب، وفي الخليل ونابلس والقدس، جاءته من وراء الأسلاك الشائكة عائلات وجموع كان قد طردها قبل 70 عاماً، لتطالب بالعودة، دون انتظار أي قرار دولي أو تفاوض حول حقها. لم تحمل هذه الجموع السلاح من أجل عودتها، بل تحاول إزالة، هذه الأسلاك بأياديها وتنادي بحقها المعترف به إنسانياً وأممياً.

فالأجيال الناشئة التي تربت على المطالبة بحقها ليست أقل تمسكاً به من الجيل الذي تمّ طرده من قبل الاحتلال وملاحقته، ومنعه طوال سبعين سنة من ممارسة حقه. وهذا ما يخيف العدو الذي اعتقد أن سرقة البلاد والأراضي أصبح شرعياً بعد اعتراف الأمم المتحدة بكيانه، وأنه لن يواجه، بفضل "المجتمع الدولي" والدول الغربية المؤيدة والحامية له، شعباً مكوّناً من كل فئاته العمرية، يطالب بالعودة، أي باستعادة أملاكه المسروقة. قد يمنع "المجتمع الدولي" إزالة الكيان وتدميره، ويشنّ حرباً دموية للحيلولة دون ذلك، لأنه اعترف به بهمجيته ومجازره عام 1948، ولكن هذا المجتمع لا يستطيع منع جموع الناس من العودة إلى قراها، وإن كانت محتلة، حيث أن احتلال وغزو بلد شيء وطرد سكانه شيء آخر، بنظر الأمم المتحدة التي طالبت بعودة اللاجئين قبل 70 عاماً ولو إلى دولة الكيان.

لقد ماطل "المجتمع الدولي" وأرجأ تنفيذ قرار العودة، إلى حين ترتيب الأمور مع المحتل، الذي يرفض أساساً هذه الفكرة. وبقي اللاجئون في منافيهم يحلمون وينتظرون، ويرون كيف يتم المتاجرة بحقهم، بين سلطة فلسطينية لا تمثلهم، وكيان مغتصب لا يريد عودتهم، و"مجتمع دولي" يتلاعب لإبقاء السيطرة الغربية على المنطقة. وبعد استلام ترامب الحكم في الولايات المتحدة وإطلاق تصريحاته المؤيدة للغزاة الصهاينة، لا سيما فيما يخص اللاجئين وحق عودتهم إلى البلاد، أصبح من الضروري إطلاق مبادرة قوية تهزّ عمق الكيان، في فكره العنصري وفي سياسته الإلغائية. فكانت مبادرة الزحف الشعبي في مسيرة العودة يوم 30 آذار الماضي، التي أطلقت أجواء عامة بالتفاؤل لدى الشعب الفلسطيني. بعد عام 2011، الذي شهد مسيرات العودة من المنافي وحيث سقط العديد من الشهداء، في الجنوب اللبناني وفي الجولان المحتل، لمجرد تفكير اللاجئين بالعودة إلى وطنهم، دون انتظار ترتيبات أممية بشأنهم، يرتكب العدو اليوم مجزرة أخرى، لاستئصال حلم عودة اللاجئين وإعادتهم إلى المنافي للبحث عن خيارات أخرى خارج وطنهم. ذلك لأن السارق لا يتحمّل فكرة استعادة الضحية لممتلكاتها المسروقة، لا سيما وأن الكيان بنى كل مشروعه على هذه السرقة.

اخبار ذات صلة