وكالة القدس للأنباء - زهراء رحيل
يعتبر التطبيع الثقافي والإعلامي من قبل بعض الأنظمة والأفراد العرب مع العدو الصهيوني، من أخطر التحديات التي تتعرض له الذاكرة العربية ، من خلال إدعاءات وتشويهات وأساليب تضليلٍ عدة.
فالتطبيع الثقافي يسعى إلى إزالة الحواجز النفسية بين العرب والكيان، ما أثار حفيظة الكثير من المثقفين وبخاصة الكتاب الفلسطينيين والعرب، فأعربوا لـ" وكالة القدس للإنباء"، عن استيائهم لما يجري وضرورة التصدي له وإحباط مراميه.
وبيَنت الروائية الفلسطينية سلوى البنا، لـ"وكالة القدس للأنباء" أهمية ثقافة المقاومة وعلى رأسها الكلمة في مواجهة الاحتلال "الإسرائيلي"، ما دفع سلطات الاحتلال إلى إغتيال الرموز الثقافية. "من رحم الثقافة تولد الأوطان بُنية وجوهراً ومضامين، من هنا كانت رمزية (الكلمة الرصاصة)، التي ولدت مع انطلاقة الثورة الفلسطينية ، وشكَّلت هويتها المقاومة من خلال ما عُرف بأدب المقاومة او الأدب الملتزم، ما بين منتصف الستينيات وحتى أواخر السبعينيات تقريباً، والذي كانت له رموزه الثقافية روائيين وشعراء وفنانين، أوجعت اصواتهم العدو الصهيوني واخترقت حصونه وهددت مناعته، إلى الحد الذي استشرس في محاولات إسكاتها ، ولجأ في ذلك إلى أبشع الطرق والوسائل وهي التصفية الجسدية،ولا تزال جريمة فردان في بيروت شاهداً صارخاً على هذه البشاعة، التي راح ضحيتها ثلاثة من أبرز وأهم رموز المقاومة، بينهم الشاعر الكبير كمال ناصر" .
وأضافت البنا : "فِي هذا السياق جاءت تصفية الأديب الفلسطيني، غسان كنفاني والمحاولات المتكررة لتصفية المفكر والكاتب د أنيس الصايغ، والتي تركت في وجهه ويديه شواهد حية على بشاعة العدو وحقده على رموزنا الثقافية المقاومة، وفِي هذا السياق كان اغتيال ماجد ابو شرار".
وأشارت إلى أنها ليست هنا بصدد تعداد الأسماء والرموز الثقافية التي تمَّ استهدافها، عبر مرحلة زمنية جسَّدت قمة الكفاح الفلسطيني المسلح، والذي تماهت فيه الكلمة مع الرصاصة بقوة أرعبت العدو، وهددت كيانه إلى حدّ لجوئه إلى مطاردتها واستهدافها وإسكاتها.
وأوضحت أن "هذا وحده مؤشِّر صريح على أهمية الثقافة في تحديد هوية الإنسان ومن ثم الوطن . وفِي فلسطين المحتلة الهوية حُكْما هي المقاومة،وبالتالي رديفها (ثقافة المقاومة).إذن لا بد من هدم هذا الجدار المنيع للمقاومة ولن يتم ذلك إلا بهدم ثقافة المقاومة. من هنا كان مصطلح التطبيع السُّم القاتل، الذي يتغلغل ببطء داخل العقول ليحتلها ويروّضها ويطوّعها، ويقتلها دون أن يطلق عليها رصاصة حيّة، وهذا ما حدث فعلاً وظهرت مفاعيله على الأرض مع مرحلة السقوط في كامب ديفيد، والتي شرعنت علناً الاعتراف بالكيان الصهيوني. وخلقت لغة جديدة ومصطلحات ومفاهيم وتيارات وأقلام وعقول، نخرت بنية الثقافة المقاومة واخترقتها، وأفرغتها من ذلك الوهج الذي أقلق العدو وخطف من عيون قادته النوم،وبالتالي باتت المهمة أكثر سهولة وأقلَّ كلفة .
كامب ديفيد فتح الباب على وسعه لابتلاع العالم العربي لا فلسطين فقط".
مخاطر التطبيع
وتتابع البنا: "فيما يتعلق بارتداداته على القضية الفلسطينية كان مؤتمر أوسلو هو الخنجر الذي سدّد إلى قلب القضية أعني جوهرها، وهو الكفاح المسلح حتى تحرير آخر شبر من فلسطين".
باختصار صار الإعتراف تحصيل حاصل، وبالتالي أصبح التطبيع هو الأداة التي تحصد آخر الاصابع المقاومة، ولست هنا بصدد تعداد الرموز الثقافية التي سقطت في هذا الفخ وهي كثيرة، حصد بعضها الثمار جوائز وترجمات عالمية، والكثير منها بات قدوة ومثالاً يحتذى به للأسف".
الخريطة الثقافية مشوهة
وقالت البنا: "مسيرة التطبيع قديمة وبدأت منذ ما قبل كامب ديفيد وأوسلو، وبأسماء كبيرة احتفينا بها، ولا نزال للأسف نكرّسها كرموز كبيرة، ما يجعل الخريطة الثقافية الراهنة خاضعة تماماً للتشويش والاختراقات، بفعل احتوائها من المؤسسات الإعلامية والثقافية الفاعلة، والتي تتحكَّم بها وتديرها رؤوس الأموال والدوائر السياسية القابضة على خيوط اللعبة".
ورأت أن الأدب المقاوم غاب وولد مكانه الأدب المسخ، الإبن اللاشرعي للتطبيع. ويمكن ببساطة أن نتخيّل طبيعة هكذا مولود، والذي هو نتاج تزاوج مستهجن بين المغتصب والضحية، وحجم الدمار الذي سيلحقه بقضيتنا ومجتمعاتنا وبنيتنا الفكرية والثقافية."
وقدَرت أننا "مخترقون حتى العظم، لكننا نفتقد وسائل فعالة وناجعة لهذا الاختراق، سواء على صعيد أجهزة رسمية أو مؤسسات ثقافية ونُخب، إلا إذا استثنينا بعض الناشطين السياسيين الذين يشكلون حالات أو ظواهر فردية، بقدرات مادية محدودة، أمام شراسة هذه الهجمة وما تمتلكه من قدرات ومؤسسات فاعلة على الأرض".
مواجهة التطبيع
وأسفت البنا لوجود حالة من الاسترخاء والتبلّد والتهاون .بفعل عوامل كثيرة لا مجال للخوض فيها الآن، ولعلَ ما يشهده العالم العربي من انهيار وتفكك وشرذمة واقتتال يختزل الإجابة .
وفِي ظل هذا الواقع المزري تنتفي كل مبررات الانفتاح على ثقافة العدو تحت أي شعار كان، والخطوة الأولى برأيها "تبدأ من خلال التصدي للتطبيع بكل أشكاله من خلال مؤسسات ثقافية مقاومة، متمكنة وفاعلة وقادرة على التصدي، وتحديد الوسائل والأهداف.
وختمت البنا: "ثمة فرق شاسع بين أن تتعلم لغة عدوك، وأن تسقط في فخ اللغة، وترجمة الأدب الصهيوني وتسويقه حالياً لا تخرج عن إطار التطبيع، مهما حملت من أسماء ومسميات، وفي الحقيقة نحن اليوم في أمسّ الحاجة لإعادة الاعتبار للبندقية المقاومة ورصاصتها الكلمة، لتصحيح المسار وإحياء القضية".
أما الكاتبة والصحفية حنان بكير، المغتربة في أوسلو، فقد استنكرت عبر "وكالة القدس للأنباء"، كل أشكال التطبيع قائلة " لا نستطيع التمييز بين أشكال التطبيع الثقافي والإجتماعي والإقتصادي، فكلها متداخلة ومتشابكة، وتشكل مكسباً للاحتلال، وبالتالي التطبيع هو اعتراف به، ويعطيه حق الدفاع عن النفس، بل إن أي قمع واضطهاد للشعب الفلسطيني يندرج تحت ذلك المسمى " حق الدفاع عن النفس" فتتحول الضحية إلى جلاد وتوسم بالإرهاب، ويعطي الإحتلال صك براءة من إراقة الدم الفلسطيني".
وحذَرت بكير من "توقيت ازدياد موجة التطبيع مع الاحتلال في العالم العربي، في ظل التهافت العربي المجاني للإعتراف بالاحتلال، تطبيع بأشكاله المختلفة، بدأت معه جوقة من الرداحين من المثقفين والمفكرين العرب في المنافسة على الغزل، وطلب رضى المحتل، ويتزامن ذلك مع ازدهار موجة المقاطعة الإقتصادية والثقافية في الغرب للكيان العبري، والتي بدأت تثمر في تغيير الرأي العام العربي".
