مقال بقلم / راغدة عسيران
في يوم 30 آذار، يوم الأرض، زحف عشرات الآلاف من أبناء قطاع غزة في "مسيرة العودة الكبرى" نحو السياج الفاصل مع كيان العدو ومستعمراته، مسيرة شعبية غير مسلحة إلا بإرادة الصمود وحب الوطن، لنصب "خيام العودة"، تعبيراً عن التمسك بحق عودة اللاجئين إلى ديارهم، القرى والبلدات والمدن التي اغتصبها الصهاينة عام 1948. عبّر قادة العدو، قبل المسيرة، بأنهم سيواجهونها بالنار، ذلك لأن مجرد الحديث عن عودة اللاجئين الى الوطن يشكّل تهديداً لمنظومتهم الفكرية والسياسية، فكيف إذا تحرك الشعب بكل فئاته الاجتماعية والعمرية للتأكيد على حق الفلسطيني بالعودة الى وطنه، رغم المحاولات الأميركية الحديثة لتصفية هذا الحق بالكامل، ضمن ما سمي "صفقة القرن"، أي تصفية القضية الفلسطينية لصالح العدو الصهيوني. فكان التهديد الصهيوني وعدم إدانته من قبل المجتمع الدولي، رخصة دولية تسمح له بالقتل، فقط لأنه خائف ومرتبك.
سقط خلال المسيرة 15 شهيدا وجرح ما يقارب 1500 جريح، استشهد منهم لاحقاً، بسبب عدم تلقيهم العلاج المناسب، الشهيدان شادي الكاشف 34 عاما وفارس الرقب، 29 عاماً، وربما سيسقط شهداء آخرون إن لم تتحرك الجهات المعنية لمعالجة هذا العدد الكبير من الجرحى، في الوقت الذي يستمر العدوان الصهيوني على الزاحفين، حيث يقتل ويجرح دون محاسبة. ناشدت اللجنة التنسيقية لمسيرة العودة الكبرى، التي تضم ممثلي الفصائل والعشائر والاتحادات الشعبية والجمعيات، النظام المصري لفتح معبر رفح من أجل نقل هؤلاء الجرحى، أو الحالات الخطرة منهم، خارج القطاع، المحاصر طبياً ومعيشياً، منذ أكثر من عشر سنوات. غير أن الأمور لم تنفرج بعد.
ندّدت بعض الدول في العالم بالقوة "المفرطة" التي واجه بها العدو "مسيرة العودة الكبرى"، ولكن لم يتمكّن مجلس الأمن الدولي من إدانة المجزرة التي ارتكبها العدو بسبب النقض الأميركي، ما يؤكد مجدداً على أن العدوان على الشعب الفلسطيني هو عدوان أميركي صهيوني مشترك. إلا أن أحداً لم يخرج في هذا الصرح الدولي للمطالبة بعلاج الجرحى وفك الحصار عن قطاع غزة، فاكتفوا بإدانة المجزرة، ولم يلتفت أحد منهم إلى صوت المنادين بحقهم بالعودة إلى ديارهم ووطنهم، أو صوت اللاجئين في لبنان وسوريا والضفة الغربية، الذين شاركوا "المسيرة الكبرى" بوقفات احتجاجية ومسيرات شعبية. فاعتبروا أن إدانتهم الكلامية للمجزرة تكفي لإعطائهم الحق بالتدخل والمطالبة بخفض "التوتر على الحدود". و"التوتر" مصطلح مبهم، لا يميّز بين المعتدي والمعتدى عليه، ويساوي بين الجلاد الصهيوني والضحية الفلسطينية، وبين الباطل الصهيوني والحق الفلسطيني.
هذا الباطل الصهيوني مقابل الحق الفلسطيني، لا يعرفه ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، ولا حمد بن جاسم، وزير الخارجية القطري السابق، حيث صرحا مؤخراً أن فلسطين، أو جزءاً منها، من حق اليهود الصهاينة، تماماً كما فعل اللورد بلفور الإنكليزي قبل مئة عام، الذي وهب "ما لا يملكه إلى من لا يستحقه". ينتقد المسؤول القطري كلام المسؤول السعودي لأنه لم يذكر "أن للفلسطينيين الحق نفسه أيضًا" في مقابلته مع الصحيفة الأميركية، ولأن كلامه جاء استرضاء للأميركيين، في حين يجب أن يكون هذا الاعتراف، "بحق اليهود" نابعاً عن "قناعة"، وهو مقتنع بذلك "منذ سنوات طويلة"، كما جاء في تغريدة له، رداً على كلام ولي العهد السعودي. في الوقت الذي يقتل فيه الفلسطيني، ويهوّد المسجد الأقصى ويطرد المقدسي من مدينته، وفي الوقت الذي يبتلع المستوطنون الأرض، من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، دون أي اعتبار لأهلها ولحقّهم، تأتي هذه التصريحات لتؤكد على مشاركة دول عربية في مؤامرة تصفية القضية الفلسطينية، ومشاركتها في تزييف الواقع والتاريخ لصالح العدو. تجاوزت هذه التصريحات فعل التطبيع الرسمي، لأنها تدّعي أن لليهود حقاً في فلسطين، في حين كان ولا زال بعض المطبّعين الرسميّين وغير الرسميين، المشاركين أيضاً في المؤامرة على القضية الوطنية، يرضخون لما يعتبرونه واقعاً، وإن لم يعترفوا بـ"الحق اليهودي".
عندما يقتحم وزير خارجية السنغال (البلد الإفريقي الإسلامي الذي ناصر قضية فلسطين سابقاً) المسجد الأقصى المهدّد بالتهويد، وعندما يزور وزير الخارجية والتعاون الدولي المغربي الأراضي المحتلة برفقة الأمن الصهيوني، بحجة دعم الشعب الفلسطيني، وعندما يشارك اللاعبون الصهاينة في مباريات رياضية في دول عربية ويرفعون أعلام كيانهم، أو يشارك باحثون عرب بمنتديات أجنبية إلى جانب باحثين صهاينة، أو عندما تخرج تصريحات عنصرية بحق اللاجئين الفلسطينيين من قبل رسميين عرب، كل ذلك يؤشر على مشاركة عربية في تصفية القضية الفلسطينية، تحت مسميات وحجج مختلفة، تارة باسم "دعم الفلسطينيين" وتارة أخرى باسم "الواقعية" أو "إشاعة السلام".
المتآمرون على الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية هم أيضاً الذين يرفضون خروج الجرحى من قطاع غزة من أجل العلاج، إن كانوا جرحى "مسيرة العودة الكبرى" أم المرضى الممنوعين من العلاج في المستشفيات الفلسطينية، كالأسير المحرر طارق عز الدين الذي قضى 13 عاماً في سجون الاحتلال قبل الإفراج عنه في "صفقة وفاء الأحرار" عام 2011، مع شرط إبعاده إلى قطاع غزة. رغم حصوله على تصريح من أجل علاجه في مصر كونه مصاب بمرض لوكيميا الدم، وتمّ منعه من السفر. من الذي يقف أمام علاجه وسفره؟ من يتواطأ مع الصهاينة من أجل قتل المجاهدين؟ هل المطلوب من المقاومة ومن الشعب الفلسطيني ثمناً سياسياً (التراجع عن الحق في الأرض والمقاومة) من أجل حق العلاج؟
المتآمرون على حق الشعب الفلسطيني بأرضه وتاريخه هم أيضاً الذين يمنعون الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية من المشاركة في الانتفاضة من أجل القدس والعودة، والذين يعتقلون الأسرى المحررين في الضفة الغربية ويعذبهم في سجون السلطة الفلسطينية، والذين يعتقدون أن بإمكانهم تجاوز المقاومة لعقد صفقات مع المحتل تحت الرعاية الأميركية أو غيرها، تقضي بابتلاع الأرض الفلسطينية مقابل سلطة وهمية، ومن يتخلى عن 80 بالمئة من الأرض الفلسطينية بحجة "الواقعية"، ومن يتغنى بشعار "حق العودة" للتغطية على تراجعه عن الحق الفلسطيني المطلق بأرضه والعودة والمقدسات.
المتآمرون على الشعب الفلسطيني والقضية المركزية للأمة هم أيضا الإعلاميون الذين فضلوا الترويج للرواية الصهيونية للتاريخ والصراع، والذين ابتعدوا عن تغطية الحدث الفلسطيني وفضلوا الانجرار وراء الصراعات الجانبية، والذين يلومون الفلسطينيين ومقاومتهم وينتقدونها لأنها ترفع راية التحرير بدلاً من البحث عما يدعونه "سلاماً"، ولأن اللاجئين الفلسطينيين يتذكرون الماضي في قراهم وبلداتهم ومدنهم المغتصبة ويسعون إلى تحريرها بدلاً من البحث عن حياة جديدة والتوطين في أماكن أخرى في العالم.
كلهم متآمرون، ولكن الشعب الفلسطيني قادر مرة أخرى على إحباط المخطط الجديد الذي رسمه الرئيس الأميركي مؤخراً، و"مسيرة العودة الكبرى"، بشهدائها وجرحاها، وبكل مكوناتها الشعبية، تؤكد لهم أن لا صوت يعلو فوق صوت الفلسطيني المدافع عن حقه، كما أكّدت وتؤكّد انتفاضة القدس المستمرة رغم "التنسيق الأمني" و"محبي السلام".