وكالة القدس للأنباء - سمير أحمد
وضعت تصريحات ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لمجلة "ذي اتلانتيك" الأميركية بشأن "حق إسرائيل في الوجود" فوق أرض فلسطين، حدا فاصلا للتسريبات والتلميحات والتأويلات التي كانت تتحدث عن اتصالات وعلاقات تجري خلف الأبواب المغلقة، بين شخصيات "إسرائيلية" وأخرى "سعودية"، وفتحت الأبواب المغلقة على مصراعيها لفصل جديد في العلاقات بين النظام السعودي من جهة، وبين كيان العدو الصهيوني من جهة أخرى، سيتجاوز في مضامينه السياسية ومفاعيله الاقتصادية والعسكرية والأمنية، كل ما سبقه من فصول في مسار "التسوية" و"التطبيع" بين كيان العدو الصهيوني وبين بعض الدول العربية، التي تكرست في اتفاقيات "كامب ديفيد" و"أوسلو" و"وادي عربة" وفي "المبادرة العربية" التي أقرتها "قمة بيروت" في العام 2002.
لذلك، لم يكن مصادفة خروج ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بمقابلته المثيرة مع الصحيفة الأميركية بكل المضامين التي احتوتها بالتزامن مع استعداد الإدارة الأميركية لإعلان صفقة القرن لتسوية الصراع العربي الصهيوني، التي أطلت على الوطن العربي بإشهار القدس عاصمة للكيان الصهيوني، وبنقل سفارة أميركا إليها بالتزامن مع الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين...
وهي بالتالي بعثت برسالة للفلسطينيين تتناقض وتتنكر لكل الثوابت والشعارات والمفاهيم التي رفعتها "مسيرة العودة الكبرى"، في الذكرى الثانية والأربعين ليوم الأرض في الثلاثين من آذار/مارس الماضي، والتي أكدت بدماء شهداء وجرحى المسيرة، على تمسك الفلسطينيين بأرضهم التاريخية، وبحقهم الثابت في العودة إليها بعزة وكرامة، ورفضهم المطلق لما يسمى بـ"صفقة القرن"، وكل المشاريع والمخططات التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية والاعتراف بالوجود الصهيوني فوق أي جزء من أرض فلسطين التاريخية!
ماذا قال بن سلمان؟
1- اعترف الأمير السعودي بحق "الشعب اليهودي" في أن تكون له دولة قومية خاصة به، قائلا: "إن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة". وفي هذا القول جملة من المغالطات والمواقف أبرزها:
التنكر التام لحق الشعب الفلسطيني الثابت بأرضه التاريخية...
وضع بن سلمان الفلسطينيين أصحاب الأرض الأصليين في سلة واحدة مع المغتصبين للأرض الفلسطينية، من الصهاينة الذين جيء بهم من مختلف ألدول الغربية، لإقامة كيانهم الاستعماري الوظيفي فوق الأرض الفلسطينية...
اعترف بوجود "إسرائيل" فوق الأرض الفلسطينية، باعتبارها "أرض اليهود الخاصة"... متنكرا للتاريخ العربي الاسلامي وللرواية الفلسطينية للصراع العربي الصهيوني، ومسقطا في الوقت ذاته كل ما جاء في الدراسات والبحوث الصادرة عن كبار علماء الآثار والتي نفت وجود أية صلة لليهود بأرض فلسطين التاريخية.
حوَّل أتباع الطائفة اليهودية المنتشرين في معظم بقاع الأرض، من "طائفة دينية" إلى شعب، واعترف لهم بالمزاعم والأساطير التي بنت عليها الحركة الصهيونية، متعاونة مع الدول الاستعمارية الكبرى كيانها العدواني.
2- وقال بن سلمان: "هناك الكثير من المصالح الاقتصادية المحتملة التي قد نتشاركها مع "إسرائيل"، ومتى كان هناك سلام منصف، فحينها سيكون هناك الكثير من المصالح بين إسرائيل ودول مجلس التعاون الخليجي ودول كمصر والأردن".
3- قسَّم بن سلمان المنطقة إلى قسمين متحاربين، كما فعل الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، هما "مثلث الشر" الذي يضم إيران والإخوان المسلمين والجماعات الإرهابية، ومحور "التحالف المعتدل" وفيه السعودية ومصر والبحرين والإمارات العربية وسلطنة عُمان... وبالتالي فإن السعودية مستعدة للتعاون مع الشيطان ضد إيران!..
4- وبذلك فإن تصريحات بن سلمان لم تعد ترى في "إسرائيل" عدواً أو خطراً يتهدد الدول العربية والمنطقة... وبات الخطر منحصرا بـ"ثالوث الشر"!..
5- لم يتوان ولي العهد السعودي عن وضع إحدى قوى المقاومة الفلسطينية، حركة (حماس) ضمن قائمة "الإرهاب" الأميركية، حيث يقول: "لدينا في المنطقة تنظيم "الدولة الإسلامية" و"القاعدة" و"حماس" و"حزب الله" و"النظام الإيراني" وحتى قراصنة"!.
ان تصريحات بن سلمان لصحيفة "ذي اتلانتيك" الأميركية لا يمكن فهمها إلا من منظار النهج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي ستسير عليه المملكة لعقود عدة، وتصب في خدمة الجهود الأميركية لتسوية الصراع العربي الصهيوني، وهي بالتالي تسهم في وضع المملكة في ظل أميرها "الشاب" في موقع متقدم كقوة إقليمية، تؤدي دور "البلدوزر" لازالة العقبات العربية عامة والفلسطينية بخاصة من أمام عربة "صفقة القرن" التي يجرها صهر الرئيس الأميركي وصديق بن سلمان، جاريد كوشنير. والتي تسعى لتسيِّد "إسرائيل" على المنطقة برمتها وتسريع خطوات "التطبيع" الجارية هذه الأيام بين كيان العدو ودول مجلس التعاون الخليجي!..
ان أهمية هذه المقابلة لا تكمن فيما حملته من مواقف وآراء بشأن الصراع العربي الصهيوني، وانحياز إلى كيان العدو، فحسب، وإنما في انكشاف الأوراق المخفية والمواقف المتوارية، وافتضاح الأدوار الحقيقية التي لعبتها المملكة في الماضي، والمهمات التي ستؤديها في المقبل من الأيام...
وهذا الأمر من شأنه أن يشكل قوة دفع جديدة لمسيرة مقاومة الشعب الفلسطيني، و"مسيرة العودة الكبرى" المتواصلة حتى الخامس عشر من أيار/مايو المقبل.
