مقال بقلم / راغدة عسيران
منذ الإعلان عن نية الزحف الجماهيري في "المسيرة الكبرى"، مسيرة العودة في 30 آذار 2018 (يوم الأرض)، تتوالى تصريحات العدو بشأنها، في دلالة واضحة على تخوّفه منها، لا سيما تلك التي ستنطلق من قطاع غزة، وارتباكه حول كيفية مواجهتها. لم يكتف العدوّ بالتهديد المباشر وغير المباشر، بل ناقش العديد من الخطط لإفشالها، من إلقاء الأغذية والأدوية على الزاحفين، الى رشّهم بالغاز المسيّل للدموع، وإلقاء المنشورات التحذيرية والمعادية للمقاومة، مروراً بتمركز القناصين الصهاينة لاستهداف المشاركين في الزحف ورشهم بالقنابل من طائراتها، ومطالبة المستوطنين في غلاف غزة بحمل السلاح واستخدامه ضد "المتسللين". كما اقترح أحد وزراء حكومة الكيان تحضير السجون لاستقبال المئات من الزاحفين، في حين وُجّهت بعض التهديدات إلى سائقي الباصات بعدم نقل المشاركين إلى "الحدود" والطلب من العملاء بث إشاعات لضرب وحدة الصف الفلسطيني حول المسيرة. وأخيراً، اتصال قادة العدو بجهات عربية وأجنبية للضغط على منظمي المسيرة ومنعها.
لماذا يتخوف العدو من مسيرة أكّد منظموها على طابعها الشعبي؟ ولماذا يحاول إجهاضها بكل الوسائل التي يمتلكها، ومنها تسخير علاقاته الدولية والإقليمية والمحلية لتهميشها؟
كانت مسألة عودة اللاجئين إلى قراهم ووطنهم، من خلال مسيرات شعبية، ولا زالت، تقلق العدو منذ ارتكابه جريمة إقامة كيانه في عام 1948. لقد حارب ما سماه "التسلّل" منذ النكبة، بالقتل والطرد والاعتقال، في حين كان المتسلّلون الفلسطينيون يسعون فقط، مباشرة بعد النكبة، إلى العودة إلى قراهم ومدنهم، للعيش فيها أو الانتفاع من خيرات أراضيهم التي زرعوها، حيث تم تهجيرهم بقوة سلاح البريطانيين ودعم المجتمع الدولي، دون أن يتمكنوا في كثير من الأحيان، من جني ثمار مزروعاتهم ونقل أمتعتهم الشخصية. وفقاً لشهادات المئات من اللاجئين ورواياتهم الموثوقة، لم يترك الفلسطينيون بيوتهم وأرضهم وقراهم خوفاً من المجازر، إلا بنيّة العودة إليها بعد انتهاء المعارك وتحريرها من الغزاة، أو بسبب طردهم بالقوة ووضعهم في شاحنات وقوارب متوجهة إلى الشرق والجنوب والشمال. غير أن تسلّل "اللاجئ"، أي العودة الفردية إلى البيت والقرية، كانت تقلق الصهاينة الغزاة، لأنه يدلّ أولاً على عدم موافقة الفلسطيني على تشريده وتحدّيه للقوة "المفرطة" بإرادته وتصميمه، ما يعني أن العدوّ سيواجه هذه المشكلة طالما بقي في بلاد الفلسطينيين. ويعيده ثانية الى أساس إقامة كيانه، أي المجازر والهمجية في حين كان يصوّر نفسه بأنه ضحية همجية أوروبية نازية.
بعد التسلّل الفردي من أجل العودة والبقاء في البلاد، أصبح التسلّل من أجل محاربة العدو ومستوطناته وتخريب مشروعه. سقط العديد من الشهداء منذ بداية الخمسينات من القرن الماضي خلال عمليات فدائية نفذها المتسللون ضد المستوطنين أو قبل تنفيذها، بمشاركة فلسطينيي الداخل المحتل أحياناً، كما تم اعتقال المئات منهم، وإبعادهم لمنع ارتباطهم بالبلاد وإستعادة الروابط مع أهلها. استمر هذا النوع من التسلّل منذ ذلك الحين، من دول الجوار، تأكيداً على تعلّق الفلسطيني بأرضه وعدم الاعتراف بشرعية إقامة كيان العدو.
لكنّ عمليات التسلّل الأخيرة من قطاع غزة إلى الأرض المحتلة تحمل معاني أكبر من تلك التي كانت تحصل سابقاً، حيث تتم اليوم بعد تصدي المقاومة الفلسطينية لحروب عدوانية ضد القطاع أسقطت هيبة جيش الاحتلال ومنعته من القضاء على المقاومة وسلاحها، وتأتي بعد اكتشاف أن للمقاومة أنفاقاً "هجومية" تصل إلى داخل الكيان ومستوطناته للتسلل وضرب العدو من بين خطوطه. كما تتم قبل "مسيرة العودة الكبرى"، وهي التي يخشاها العدو، كونها تعني زحفاً جماهيرياً إلى نقاط "الحدود"، رغم تأكيد بعض منظمي المسيرة أنها لن تجتازها. ولكن بقي العدو قلقاً ومرتبكاً، ليس فقط بسبب إمكانية اجتياز "الحدود"، كما فعل مؤخراً بعض الفلسطينيين بنجاح حين تمكنوا من اختراق السياج وإحراق معدات "إسرائيلية" والعودة إلى القطاع بسلام، وليس فقط بسبب إصرار وتصميم وذكاء وشجاعة المتسللين من جهة أخرى، ولكن لأنّ مسيرة العودة على الأبواب، وهي التي تعيد مسألة اللاجئين وعودتهم إلى ديارهم، إلى صدارة الاهتمام من ضمن القضية الفلسطينية، في حين كان العدو يصفق ويبتهج لتصريحات الرئيس الأميركي حول الموضوع، معتبراً أن مسألة عودة اللاجئين انتهت بمجرد صدور القرار الأميركي.
منذ ارتكاب مجازره وجريمته الكبرى في 1948 بإقامة كيانه على أرض فلسطين، عاش المستوطنون، قيادة وأفراداً، هاجس مسيرات العودة الشعبية الزاحفة إلى فلسطين. في مقال صدر له خلال المسيرات الشعبية عام 2011، انطلاقاً من لبنان وسوريا، يذكر الكاتب المقدسي المبعد إلى عمان، نواف الزرو مخاوف قادة العدو بعد النكبة من زحف اللاجئين، وثم تطمينات بعضهم بعضاً بعد عقدين من الزمن بأن اللاجئين لن يزحفوا، كما ورد في كتاب توم سيغيف: يقول رئيس الحكومة ووزير "الأمن" ليفي أشكول خلال الحديث عن تلك الإمكانية: "ماذا نفعل لو قاموا ذات يوم بدفع النساء والأطفال إلى الأمام؟". وعندها رد عليه رئيس هيئة أركان الجيش في حينه، يتسحاك رابين: "إذا لم يقوموا بذلك حتى الآن، فهم لن يفعلوا ذلك.. وبعد قتل 100 منهم، فإنهم سيتراجعون".
أما اليوم، فهم يعرفون أن قتل المئات منهم لن يغّير شيئاً، إلا بتعميق المأزق الذي يعيشه الكيان بعد حروبه ضد المقاومة، رغم الدعم الذي يتلقاه منذ سنوات من دول عربية ورغم الانفتاح الديبلوماسي والسياسي والاقتصادي عليه من قبل دول في العالم فضّلت المال الأميركي والغربي على الحق والعدل في العالم. قتل كيان العدو المئات بل الآلاف وعشرات الآلاف من أبناء فلسطين، وبقي الشعب الفلسطيني صامداً مثابراً، يبعث برسائله المتنوعة إليه وإلى أعوانه المحليين والدوليين، للتأكيد أن لا حل للقضية الفلسطينية إلا بعودة اللاجئين إلى ديارهم، وبعودة فلسطين إلى أهلها.
المقاومة الفلسطينية وانتصاراتها في قطاع غزة، رغم المؤامرات الكبرى التي تواجهها منذ 2014، وما قبل ذلك، إضافة إلى انتفاضة القدس بشبابها وشهدائها ومعتقليها، في سجون العدو وفي سجون السلطة، هي التي جعلت العدو يرتبك ويتخبط في مواجهة مسيرة شعبية تطالب بالعودة، ذلك لأن المسيرة المنطلقة من قطاع غزة بإمكانها توليد مسيرات أخرى مشابهة تنطلق من مناطق أخرى، لا تنتهي يوم 30 آذار بل تتواصل لشهور، مع إقامة الخيام على "الحدود"، بانتظار العودة الفعلية والتحرير. بعد صعود المقاومة وتمكينها في قطاع غزة، بات أمل التحرير والعودة أقرب لدى الشعب الفلسطيني والشعوب العربية ومناصريهم في العالم، في حين بات القلق والخوف والارتباك أكبر لدى الغزاة الصهاينة وداعميهم في العالم.