مقال بقلم / راغدة عسيران
حددت الولايات المتحدة شروطها لمواصلة دعمها المالي لوكالة الأونروا، وأهمها تغيير المناهج المتبعة في مدارسها، لا سيما في أراضي السلطة الفلسطينية والأردن. من خلال هذا الشرط، تحاول الإدارة الأميركية تزييف الواقع والتاريخ وإنشاء جيل فلسطيني هشّ مرتبط بالمصالح الآنية للقوى المسيطرة، يسعى لتأمين حاجاته المادية ويرضخ للوجود الصهيوني على أرضه.
ليس هذا هو الابتزاز الأميركي الأول من نوعه في مسيرة الأونروا، حيث ساهمت جهات أوروبية وأميركية، لا سيما بعد اتفاقيات أوسلو، في تغيير المناهج المدرسية، ليس في مدارس الأونروا فحسب، بل في كافة المدارس في العالم العربي، لأن المطلوب دولياً هو فكّ ارتباط الجماهير العربية بالقضية الفلسطينية وإزاحة كل ما يتعلق بالمقاومة في المناهج التربوية، الفلسطينية والعربية بشكل عام.
لم تقف محاولات تغيير الوعي الفلسطيني والعربي على المناهج التربوية، إذ يساهم الإعلام العربي بشكل واسع في هذه المهمة، إن كان مدعوما أو مموّلاً من معظم الأنظمة العربية، أو مدعوماً أو تابعاً للدول الأجنبية. رغم اتساع مجال الإعلام المستقل من خلال التقنيات الجديدة، وخاصة الإعلام الافتراضي الذي يستعين بالبشر بدلاً عن الأموال الهائلة، إلا أن سيطرة الشركات العالمية على الإعلام، بكل أنواعه وتقنياته، تشكّل تحدياً كبيراً أمام الفكر المقاوم والمستقل في العالم، وخاصة في العالم العربي.
إلى جانب المناهج المدرسية والإعلام، تساهم المنظمات غير الحكومية في المهمة الموكلة اليها من قبل المموّلين الغربيين، أي تغيير الوعي لدى الجماهير العربية، من خلال الانصياع لمتطلباتهم السياسية، أولها الإعلان عن "الحياد" في الصراعات في المنطقة (الصراع العربي الصهيوني أساساً)، ومن ثم التطبيع مع الكيان الصهيوني بذريعة "العيش المشترك والتعارف". يسعى "المجتمع المدني" المشكل من هذه الجمعيات والمموّل غربياً، إلى فرض التطبيع مع العدو واعتبار سكان المستوطنة "إسرائيل" جماعة عادية وليس مستوطنين، يجب التطبيع معها، واعتبار القضية الفلسطينية مشكلة عرضية يمكن حلّها بالحوار.
رغم هذه الهجمة الكونية على الوعي الفلسطيني والعربي لتزييفه وجعله يرضى بالاحتلال والتبعية، إلا أن المواجهة الفعلية اليومية في فلسطين تقف حائلاً أمام تزييف الواقع والتاريخ، وتكتب صفحات جديدة من المقاومة تضاف إلى صفحات الذاكرة. فتؤكد أن مواجهة العدو الصهيوني ضرورة لا يمكن التنصل منها أو الابتعاد عنها، لأن الصراع يتجاوز مسألة الأرض ومساحتها، فهو صراع من أجل الحياة الكريمة في الوطن المحرّر من الاستعمار الاستيطاني، ومن سيطرة التمويل الأجنبي المذّل لشعوب المنطقة ومن السيطرة الفكرية المتنكرة أو المشوّهة لذاكرة هذه الشعوب.
يسعى الاحتلال من خلال مناهجه إلى "أسرلة" الطلبة في المناطق المحتلة عام 1948 وفي القدس، حيث مدّ خطوطه إلى مدارس أهلية، بعد سيطرته على المدارس "الحكومية"، ويحاصر ما تبقى من مدارس وطنية في أحياء البلدة القديمة، بملاحقة طلابها ومضايقتهم، إلا أن المواجهة اليومية مع جنوده ومستوطنيه لا تترك مجالاً لتشويه الوعي والذاكرة. في فلسطين المحتلة، يفرض واقع المواجهة مع المحتل نفسه على المناهج المدرسية المشوهة المفروضة من قبل المموّلين. في منطقة جنين قبل أيام وفي القدس قبل أشهر، وفي المناطق الفلسطينية كافة، تعلن الجماهير الفلسطينية يومياً أن مساعي العدو وعملائه وأعوانه في العالم لن تتمكن من تحريف وعيها المقاوم والمجاهد، وأن الآلاف بل الملايين من الدولارات التي صرفت لتبديل وعيها وذاكرتها ذهبت هدراً.
لا يعني ذلك أن التطبيع مع العدو قد توقف أو أنه لا يجد من يتماهى معه، بل أنه بقي محصوراً في فئات اجتماعية ضيقة، تعتبرها الدول الغربية ولا سيما الولايات المتحدة الأنسب للتجاوب مع المشاريع التصفوية. في حين لم يتمكن العدو الصهيوني من التأثير مباشرة على الطلبة المقدسيين، رغم فرض منهاجه التعليمي على عدد من المدراس، تحاول المدارس الأجنبية، ومنها مدرسة "الجيروزالم" التي حصلت على ترخيص من السلطة الفلسطينية، بتشويه الوعي الوطني، كما لاحظ الصحفي المقدسي راسم عبيدات. تحتوي كتبها مثلاً على فقرات معادية للمقاومة المصنفة بـ"الإرهابية"، كالفقرة التالية : "الشرق الاوسط : الكثير من المنظمات الإرهابية لها جذور في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني على الأرض في الشرق الاوسط. مجموعات كالجهاد الاسلامي في فلسطين، حماس، وحزب الله حاولوا منع اتفاقية سلام بين إسرائيل والفلسطينيين. يريدون وطناً للفلسطينيين على حسب شروطهم، منكرين حق إسرائيل في الوجود، ويدعون إلى تدمير إسرائيل. في دائرة مستمرة للعنف، يتراجع الإسرائيليون بعد كل عملية إرهابية والإرهابيون يضربون من جديد". يصنع هذا النوع من المدارس الأجنبية نخبة فلسطينية مرتبطة بالاحتلال وبالمنظمات الدولية، ومنسلخة عن شعبها، صالحة للتوظيف في المشاريع الأميركية والصهيونية في المنطقة.
لكن توغلّ الإعلام الصهيوني والغربي عموماً إلى الإعلام الفلسطيني والعربي، له تأثير أوسع، لأنه يحفر الوعي بشكل يومي، من خلال تغطية الأحداث أو حتى عدم تغطيتها، وتوصيفه لها بالتعابير المستوحاة من القاموس الصهيوني والامبريالي، أو من خلال التركيز على بعض الأحداث والتصريحات على حساب أحداث وتصريحات أخرى، تدلّ على إرادة المقاومة. إضافة الى التطبيع الإعلامي، من خلال استضافة مسؤولين وإعلاميين صهاينة، لفت كتّاب فلسطينيون مؤخراً إلى ظاهرة الاقتباس غير المدروس عن الإعلام الصهيوني، لأسباب مختلفة، منها عدم الثقة بالإعلام والإعلاميين المحليين، وتصديق كل ما يصدر عن الصهاينة باعتباره ذات مصداقية أكبر، رغم الارتباط العضوي بين الإعلام الصهيوني والمؤسسة الإستعمارية. تكمن الأسباب الأخرى للجوء الى الإعلام الصهيوني في السعي الى ما يسمى "السبق الصحفي". لدى تشريحه لمقال صدر على الصفحة الإلكترونية السعودية "إيلاف" عام 2016، تحت عنوان "تفاصيل مردخاي وإيلاف"، كشف "مركز أطلس للدراسات الإسرائيلية" في قطاع غزة، كيف يعمل الإعلام الصهيوني على تشويه الواقع واختراع القصص، وكيف يتم ترويجها في الإعلام العربي، باعتبار أن الإعلام الصهيوني متفوق على سواه.
من جهة أخرى، يدلّ عدم الالتفات الى الأراضي المحتلة عام 1948 والى أوضاع الشعب الفلسطيني في هذا الجزء من فلسطين المحتلة، وإلى نضالاته المستمرة، من وجهة نظر وطنية، على توغّل الإعلام الصهيوني في العقل العربي والفلسطيني. كتب الباحث عبد الجواد عمر عن ظاهرة "نسيان" العمليات الجهادية التي شنها الفدائيون من أراضي 48، كالتي قام بها قبل أسابيع الفدائي خالد أبو جودة من بلدة كسيفة في النقب المحتل على مستعمرة عراد. لقد تجاهلت معظم وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية هذه العملية، التي لم يشر اليها الإعلام الصهيوني، كما تستر أو حاول تشويه هدف عملية أخرى قام بها ثلاثة شبان من حي الحليصة بحيفا، التي بقيت "منسية" هي الأخرى. يرجع الباحث هذا "النسيان" إلى "التماهي مع فعل الترجمة من الصحف الصهيونية، بحيث أصبحت مهنة التحليل السياسية والعسكرية ليست أكثر من ترجمة فورية لمقولات محمولة على أبعاد أيديولوجية صهيونية، لا يعي ناقلها أنه يساهم بذلك في حرب نفسية موجهة، وذات آثار وخيمة على المجتمع الفلسطيني" (العمليات المنسية في الهبة الشعبية: ذاكرة المشهد تخون أراضي 48).
إن كانت المواجهة المستمرة مع الاحتلال تضعف تأثير مساعي محو الذاكرة وتشويه الوعي الفلسطيني، التي تقوم بها المؤسسة الصهيونية من جهة والدوائر الغربية من جهة أخرى، عبر تمويلها لمشاريع التطبيع مع الاحتلال، فمواجهة عملية التشوية وتزييف الوعي يتم أيضاً عبر جهود إعلامية وفكرية مستمرة بعيداً عن الإعلام الصهيوني والغربي ومراكزه الفكرية، والتواصل مع كافة فئات الشعب الفلسطيني، في اللجوء والأراضي المحتلة، وقواها الفاعلة والمناضلة. أما في الوطن العربي، حيث المواجهة مع العدو تتخذ أشكالاً غير مباشرة، فالالتحام بالقضية الفلسطينية وبالشعب الفلسطيني المكافح ودعم مقاومته اليومية يبعد آفة التطبيع مع الكيان المحتل ويعيد الهوية الحقيقية لشعوبها، بعيداً عن التدخلات الغربية.