/مقالات/ عرض الخبر

الإعلام العربي في مواجهة "صفقة القرن": هل تجاوز الشعارات؟

2018/01/23 الساعة 09:22 ص
صفقة القرن
صفقة القرن

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

منذ إعلان الرئيس الأميركي ترامب، قبل شهر ونصف، عن اعتباره مدينة القدس عاصمة الكيان الصهيوني وعن نيّته نقل سفارة الولايات المتحدةإليها، تصاعدت موجة الاحتجاجات في فلسطين والشتات، والدول العربية والإسلامية، وفي العالم، ضد الإعلان الأميركي. لم يكن هذا الإعلان إلامقدمة لما سمي بـ"صفة القرن"، أي مشروع تصفية القضية الفلسطينية، عن طريق تسليم مدينة القدس إلى الكيان الصهيوني، وإلغاء حق عودة اللاجئين ومواصلة الاستيطان والتهويد في الضفة الغربية. بالنسبة للولايات المتحدة، "الصفقة" إقليمية، من خلال التطبيع العربي – الصهيوني والضغط على القيادة الفلسطينية الرسمية للموافقة عليها. 

إلى جانب مقاومة هذا المشروع في فلسطين المحتلة، بكل السبل المتاحة، تنبّهت جهات عديدة إلى أهمية الإعلام في هذه المواجهة الشاملة. فعقدت عدة لقاءات وندوات لحث الإعلاميين على القيامبواجبهم، ذلك لأن "الإعلام في المعركة سلاح فتاك يوازي سلاح المعركة وسلاح المقاومة" (إحسان عطايا، ممثل حركة الجهاد الإسلامي في لبنان). وفي خطابه الأول بعد الإعلان "الترامبي"، طالب السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله، الجماهير استغلال منابر التواصل الإجتماعي لمواجهة هذا الإعلان الإجرامي. يشير هذا الاهتمام بدور الإعلام في المعركة على مكانته اليوم في صنع الرأي العام في العالم وتأثيره على مجرى الأحداث إذا تم استخدامه ضمن استراتيجية إعلامية واضحة، ذات أهداف معلنة يتم استنفار جميع الجهات الإعلامية العاملة في الوطن العربي والإسلامي حولها.

بعد شهر ونصف من الأداء الإعلامي العربي، ومنه الفلسطيني، يمكن التساؤل حول أهداف الإعلام في هذه المرحلة. أهو التأكيد على عروبة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، وأنها عاصمة فلسطين الأبدية أم رفض "صفقة القرن" بمجملها، إنطلاقاً من مدينة القدس المستهدفة؟ هل الهدف هو التأكيد على بعض الشعارات المحقة والتي يرددها المتظاهرون في عواصم العالم، أم أن الهدف هو الاستفادة من الإعلان الإجرامي لتعميق الانتماء إلى القضية الفلسطينية ومدينة القدس، بعد عقود من النسيان واللامبالاة، في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، كي لا يتراجع الاحتجاج ويصدق تنبؤات الأعداء بأن الغضب الشعبي سيخمد بعد أسابيع؟هل الهدف هو إعادة البوصلة الإعلامية إلى فلسطين (كل فلسطين) والقدس والمقدسات، ما يعني استحضار القضايا المهمشة عادة وإثارتها لجعل من كل فلسطين موضع اهتمام الجماهير العربية، لا سيما بعد إطلاق أصوات تؤكد على ضرورة العودة إلى بداية الصراع، على الأقل منذ وعد بلفور؟

يحاول الإعلام الفلسطيني متابعةمعظم هذه الأمور، ولكنه ملاحق بشكل ممنهج من قبل الاحتلال ومعاونيه.منعت المؤسسة الصهيونية مؤتمراً صحفياً مقدسياً قبل أسبوع كان يهدف إلى توجيه نداء للأمة العربية والإسلامية من أجل حماية مدينة القدس، وتلاحق يومياً الإعلاميين الفلسطينيين العاملين في الوطن، وتزجهم في سجونها، وكانت قد اقتحمت، قبل مدة من الزمن، مقرات إعلامية في رام الله وإذاعات في الضفة الغربية وأقفلتها بعد سرقة معداتها. شنّت هجوماً ممنهجاً على منصات التواصل الاجتماعي، فاعتقلت العديد من الفلسطينيين الناشطين فيها، في حين تبث من خلال حساباتها الدعاية الصهيونية الموجهة إلى الشعوب العربية. خضعت شركة "الفيسبوك" لهذه السياسة القمعية بإقفال العديد من الحسابات الشخصية والمؤسساتية. تدلّالهجمة الصهيونية على الإعلام الفلسطيني، الشعبي والمؤسساتي،على إدراككيان العدو لأهمية الإعلام في هذا الصراع، وعلى أنه تنبّهإلى نجاح الإعلام الفلسطيني،رغم قلّة موارده، في اختراق الإعلام العالمي وتشكيل رأي عام معادٍ له.

انطلاقاً من أهمية الإعلام في الصراع وضرورة استنهاض الأمة العربية والإسلامية ضد المشاريع الصهيو-أميركية في المنطقة، والملاحقة الممنهجة للإعلام الفلسطيني من قبل الصهاينة وأعوانهم، ما هو دور الإعلام العربي المناهض للصهيونية والامبريالية،في هذه المرحلة؟

إضافة إلى توعية الجمهور العربي حول الهجمة الأميركية وانعكاساتها على شعوب الأمة، لا بدّ من التركيز على القضية الفلسطينية التي تشكّل لبّ الصراع، من خلال فضح "صفقة القرن" والسياسة الأميركية إزاء هذه القضية وشراكتها في العدوان الصهيوني، وصنع رأي عام معارض لهذه السياسة في المنطقة ومواجهة الأصوات العربية والإسلامية المروّجة لها.فالتأكيد على عروبة القدس بالشعارات غير كافٍ إذا لم يتم توضيح تاريخ هذه المدينة، ولماذا يجب حمايتها والالتفاف حول أهلها ودعم صمودهم، لا سيما بعد غياب قضية فلسطين وتاريخها عن المناهج التربوية في الدول العربية والإسلامية منذ تسعينيات القرن الماضي. يستطيع الإعلام العربي الاستفادة من "الصدمة" التي دشّنها الرئيس ترامب للعودة إلى طرح ما يربطنا بالقدس وفلسطين، من خلال التقارير المصورة والحوارات، وتغطية الاحتجاجات والمواجهات اليومية مع العدو، لترسيخ صورة الشعب المقاوم في إذهان الجماهير العربية، مقابل الصورة التي يبثها الإعلام الصهيوني والإعلام التابع له، وإثارة مسألة القضية الفلسطينية في المناهج التربوية العربية، كي تصبح القدس أكثر من شعار يتم رفعه في وقت الأزمات.

كما لا بدّ من طرح مسألة اللاجئين، التي تحاول الإدارة الأميركية تصفيتها، والتعريف على أساس المشكلة، وكيف يواجه الفلسطينيون في اللجوء وفي الوطن المحتل مشاريع تصفية القضية، ونقل آراءهمإلى الشعوب العربية والعالمية. في هذا الصدد، على الإعلام العربي، وخاصة الإعلام اللبناني، الوقوف إلى جانب اللاجئين الفلسطينيين وطرح قضيتهم كقضية سياسية وإنسانية بالمقام الأول، من خلال التحقيقات في مخيمات اللجوء والتعريف بالموقف الفلسطيني الذي يرفض التوطين ويصرّ على حق العودة، وإثارة مسألة منح الحقوق الاجتماعية لهم، لطرح المسألة بكل أبعادها وتشكيل رأي عام عربي مناهض للخطة الأميركية الصهيونية، ينظر إلى اللاجئين كأصحاب حق يناضلون من أجله.

الإستفادة من "الصدمة"تتمثل أيضا في إعادة طرح القضية الفلسطينية في كل أبعادها، وارتباطها بمصير الأمة، لمنع عزل الشعب الفلسطيني ومقاومته، والتأكيد على التواصل العضوي بين فلسطين والأمة، من خلال العودة إلى التاريخ المشترك في المراحل كافة، وإثبات تزوير الرواية الصهيونية حول فلسطين والقدس. يجب التأكيد على أن "فلسطين لنا" و"القدس لنا" من خلال الاهتمام بمصيرها وأهلها، في غزة والضفة والأراضي المحتلة عام 1948، ومن خلال دعم حق عودة اللاجئين ومنع شطبه، ومساءلة الأطر الرسمية العربية حول مساعيها بهذا الخصوص.

ودعماً لجهود الإعلام الفلسطيني المحاصر من قبل الاحتلال، يستطيع الإعلام العربي التوجه إلى الرأي العام العالمي، إلى جانب الجاليات العربية الفاعلة، ونقل الصورة الحقيقية للصراع القائم، وفضح أكاذيب الرواية الصهيونية المزوّرة، والوقوف أمام محاولات التطبيع وإدانتها. يسعى المشروع الأميركي إلى تطبيع العلاقات الرسمية بين الأنظمة العربية والكيان الصهيوني وحثها على إقامة مشاريع أمنية واقتصادية مشتركة،لفك ارتباطها بتطلعات الشعب الفلسطيني. على الإعلام العربي التصدي لهذا المخطط، ليس بفضح المطبّعين فحسب بل بإعلاء صوت المجتمعات الرافضة لكل أنواع التطبيع، الرسمي والاجتماعي والفردي، ومتابعة المبادرات الشعبية في الدول العربية، في تونس مثلاً حيث بدأت حملة مليونية لتجريم التطبيع مع الكيان الصهيوني في الدستور.

تقف أمام الإعلام العربي مهام كثيرة لمواجهة "صفقة القرن"، أهمها التنبيه إلى تداعياتها على حياة الشعوب العربية، بسبب سيطرة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على المنطقة، والتلاعب بمصالح الشعوب وبث الفتن بينها. إلى جانب الأدوات الإعلامية المألوفة، تتطلب الاستراتيجية الإعلامية الواضحة استغلال الأدوات الأخرى والمبتكرةكافة، لإسقاط "صفقة القرن" وإحباط كل المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية، وبناء مجتمعات مقاومة واعيةبقضيتها وداعمةللمقاومة، تؤكد على انتمائها وترفض التبعية. 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/121211

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا