قائمة الموقع

نحن والأمم الهندية الأميركية ومدينة القدس

2018-01-16T08:36:37+02:00
القدس المحتلة
وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

كثر في الآونة الأخيرة التذكير بالتشابه بين الإجرام الصهيوني بحق فلسطين والإجرام الأميركي بحق الأمم الهندية الأميركية، كون تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، الداعمة الأساسية للكيان الصهيوني اليوم، قد تأسس على إبادة هذه الأمم الأصيلة وتطوّر بفعل العبودية التي كانت ضحيتها الشعوب الإفريقية.

أوجه الشبه بين الإجرام الأميركي (البروتستاني الأبيض) والإجرام الصهيوني متعددة. فكرياً، استند المستوطنون البيض في أميركا، وكذلك الصهاينة في فلسطين، على قراءة خاصة محرّفة للتوراة تسمح لهم بقتل الشعوب الأصيلة وإبادتها وطردها، للاستيلاء على أرضها وإقامة دولة عنصرية، يحتلون قمة الهرم السكاني فيها ويستعبدون شعوباً أخرى لخدمتهم. عملياً، زحف المستوطنون شبراً شبراً على الأرض المستهدفة، أو بعد معارك خاضوها ضد الأمم والشعوب الأصيلة في البلاد، وحرقوا الزرع ودمرّوا المدن وطاردوا الناجين من مذابحهم لإبعادهم نهائياً عن أراضيهم ومنعهم من العودة.  فاعتبروا أنهم يمثلون الحضارة والقيم الإنسانية في مواجهة التوحش المتجذر في الشعوب غير الأوروبية. يستكمل الباحث منير العكش في كتابه "دولة فلسطينية للهنود الحمر" (2015) المقارنة بين القارة الأميركية المستباحة وفلسطين المهددة، مركزاً على التشابه بين الاستيطانين (الصهيوني والأنكليزي) في عملية التفاوض. فيدلّ بالوثائق كيف استطاع المستوطن الأبيض إزالة "الخطر" الهندي عن الوجود عن طريق المفاوضات والاتفاقات، وكيف نقضها وتخلّص منها عند الحاجة (التوسع الاستيطاني ومدّ خطوط سكة الحديد مثلاً)، وأصدر قوانين تشرع التهجير والاستيلاء على الأرض، وأثار الخلافات بين الأمم الهندية نفسها، واشترى ولاء بعضها لفترة معينة قبل القضاء عليها، بعد سحق وإبادة غيرها، في الوقت الذي كان يواصل فيه زحفه الاستيطاني، وطرد من أسماهم "بالغزاة" لأنهم كانوا يتجرأون على العودة الى أراضيهم.

خلال المعركة وبعدها، اخترع المستوطنون في أميركا روايات وأساطير عن الأمم الهندية، وبثوها الى العالم عبر إعلامهم، لتبرير إجرامهم، حتى وصل الأمر بهم الى تمجيد "الخونة" من أبناء هذه الأمم، مثل "الأميرة بوكاهنتاس" الهندية التي خانت قبيلتها من أجل جندي مستوطن أبيض، والتي نقل قصتها المحرّفة الأميركي والت ديزني لأطفال العالم، كعبرة لتواصل الشعوب في زمن الحرب.

من الاستعمار الاستيطاني، بحجة المقدّس، إلى محاولة تطبيع وجوده، يسير الكيان الصهيوني على خطى أسياده الأوروبيين، الذين برهنوا، خلال عملية استيلائهم على أميركا الهندية، على مدى توحشهم وعنصريتهم ومعاداتهم للإنسانية. رغم هذا التشابه الدقيق أحياناً، تتميز عملية الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين عما جرى في أميركا بعاملي الزمان والمكان. بالنسبة للزمان، استولى المستوطنون الأوروبيون على الأراضي الأميركية قبل سيطرة الرأسمالية الجشعة على العالم، وفي بدايات التنظير الأوروبي للقومية العنصرية، في حين جاء زحف المستوطنين الصهاينة نحو فلسطين كجزء من السيطرة الرأسمالية وتوسع الأمبرطوريات الأوروبية على حساب شعوب العالم. وقد مثلت الأيديولوجية الصهيونية ذروة الفكر العنصري، لأنها مزجت المقدّس بالقومي، حيث أصبح يهود العالم، وفقاً لهذه الإيديولوجية، قومية دينية مميزة اصطفاها الله لتتحكم بشعوب العالم، وتبيد من يخالفها ويقف بوجهها. فكان شعب فلسطين أول ضحاياها.  

بالنسبة للمكان، تمثل فلسطين قلب الأمة العربية والإسلامية، التي حاولت الدول الأوروبية الاستيلاء عليها، فشنّت قبل قرون من الزمن حروب "الإفرنج" وأقامت فيها مملكة ضمن الممالك الغربية الأخرى في المنطقة، في حين لم تكن تعرف طريق أميركا بعد، أي أن الصراع بين الغرب الأوروبي والأمة، وقلبها فلسطين والقدس، قديم، تأجج بعد السيطرة الغربية على أقاليم وبلاد إسلامية، بهدف نهب خيرات الأمة ومنع وحدتها.

قبل نهاية القرن التاسع عشر، كانت فكرة زرع الكيان الصهيوني في قلب الأمة تمثل الحلّ الغربي الأمثل لاستمرار التجزئة والنهب والسيطرة الفكرية. من وعد بلفور إلى اتفاقيات سايكس بيكو إلى إقامة الكيان الصهيوني في فلسطين، مروراً بقرار تقسيم فلسطين، وقف الغرب الاستعماري متحداً ضد الأمة العربية والإسلامية، بما فيه الاتحاد السوفياتي الوليد بحجة محاربة "الرجعية" العربية، ودعم الكيان الصهيوني بالمال والرجال والسلاح والديبلوماسية، بسبب موقع فلسطين والقدس، وما يمثله هذا الموقع عقائديا وتاريخياً وحضارياً لوحدة الأمة وضمان استمرارها.

لذلك، مدينة القدس ليست كمدن أخرى في العالم، رغم أهمية كل مدينة بالنسبة لأهلها وشعبها، فهي المدينة التي احتضنت شعوب الأمة، من جند وعلماء وزائرين وحجاج، حيث بنى الخلفاء والأمراء وغيرهم من ميسوري الحالة، المساجد والمدارس والتكايا والبيمارستانات، والأسواق والحارات والدكاكين والخانات، وسجلوا المئات من العقارات في فلسطين وبلاد المسلمين أوقافاً على منشآتها. في دراسة "دور الأوقاف الإسلامية في التنمية العمرانية في القدس" يشير الباحث موسى سرور (حوليات القدس، العدد الرابع عشر، خريف – شتاء 2012) إلى مدى اهتمام المسلمين بهذه المدينة، من خلال المنشآت الوقفية التي حدّدت "معالم المدينة وتفريعاتها وتفاصيلها المختلفة"، وذلك منذ الفتح العمري للمدينة، ويذكر في هذا الصدد أن الخليفة عثمان بن عفان قام "بتوفير المياه لها بوفقه بركة سلوان على فقراء المدينة، لضمان وصول المياه بشكل مجاني ومستمر لسكان القدس. ويعتبر هذا العمل أول وقف إسلامي في هذه المدينة". يقول علي السيد علي في كتابه "القدس في العصر المملوكي" (دار الفكر، 2001) إن الحكام كانوا يبحثون عن شرعية حكمهم من خلال اهتمامهم بإعمار القدس. وعندما يصرح الشيخ عكرمة صبري أن "كل حجر في مدينة القدس يحكي قصة"، فهو يؤكد على كثرة المنشآت الإسلامية التاريخية فيها، والتي جمعت حولها شعوب الأمة.

إذا كانت الهجمة الاستعمارية الإحلالية الصهيونية تشبه الهجمة الاستعمارية الأوروبية على أميركا الهندية، من ناحية الممارسات الإجرامية المشبعة بتعاليم دينية مزيّفة تخدم الزحف الاستيطاني والإبادة البشرية (الواقع)، يركز عاملا المكان والزمان معاً على أهمية مدينة القدس (وفلسطين) في الصراع القائم اليوم بين الحق والباطل (العقيدة) وبين الحضارة والتوحش (التاريخ)، وكان الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي، مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، قد وضّح هذه الأبعاد لإثبات مركزية القضية الفلسطينية لدى الأمة، قبل ثلاثين سنة.

رغم وضوح معالم الصراع على القدس بكل أبعاده، يستنكر البعض رفع شعار "القدس عاصمة فلسطين الأبدية" معتبرين أن كلمة "الأبدية" "تقليد للمقولة الصيهونية بأن القدس هي العاصمة الأبدية "لإسرائيل"، التي استحضرت "الغيبي" للاستيلاء على المدينة المقدسة؛ إذ أن "مجرد استخدام كلمة الأبد هو سقوط في الفكر الغيبي الذي قد يصل بسهولة إلى الفاشية". فاختصروا الصراع حول القدس إلى صراع سياسي بين قوة ظالمة وشعب مظلوم، رافضين الأخذ بعين الاعتبار رمزية مدينة القدس في الوجدان العربي والإسلامي، التي تشكلت عبر التاريخ. غير أن نفي البعد الحضاري في الصراع هو ما فتح باب التفاوض والمساومة والموافقة على التقسيم والبحث عن "الحل الوسط"، بسبب اختلال موازين القوى. أما الأبعاد الحضارية والتاريخية والعقائدية، فهي التي تحمي القدس من التفريط.

اخبار ذات صلة