قائمة الموقع

شرعيات متناقضة

2018-01-11T12:01:37+02:00

لم يعد يخلو أي حديث أو برنامج سياسي خاص بالقضية الفلسطينية، عن كلمة "الشرعية"، أكانت "الشرعية الدولية" أم "الشرعية العربية". جاء مثلا في كلام مستشار رئيس السلطة الفلسطينية، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، أحمد مجدلاني، حول اجتماع المجلس المركزي المرتقب: "سوف نحرص على أن تتوافق قرارات المجلس المركزي مع قرارات الشرعية الدولية، وألا تخرج عنها، وأن تتوافق مع مبادرة السلام العربية وقرارات القمم العربية، والشرعيات العربية، كوننا جزءاً من هذه الشرعية"، وتابع "لكننا متمسكون بعملية السلام على أساس الشرعية الدولية".

ما هي هذه "الشرعية الدولية" التي بات الجميع يتحدث عنها ويتمسك بها كشماعة لإضفاء نوعا من الشرعية على كلامه أو برنامجه؟ هل تعني هذه الشرعية الشيء ذاته للمتحدثين؟ ما علاقة "الشرعية الدولية" بتوازن القوى العالمي؟ ما هي "الشرعية العربية" ؟ لماذا التمسك بهذه الشرعيات وما علاقة الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة بها؟..

يبدو أن "للشرعية الدولية" معان مختلفة، وحتى متناقضة، في قاموس القضية الفلسطينية، وذلك مرتبط أساسا بالمفهوم العام للشرعية الدولية ومصادرها. يميّز الأستاذ نيبل شبيب "مدرستين متكاملتين" في هذا الخصوص، مدرسة تركز على القانون الدولي كمصدر للشرعية الدولية، "هو ما استقر من قيم ومبادئ وقواعد أساسية وحقوق إنسانية متعارف عليها عبر التجارب الماضية وتمَّ تثبيتها في مواثيق دولية ملزمة، وهذا ما يوصف بالقانون الدولي العام، أو القيم والمبادئ الدولية الأساسية"، ومدرسة أخرى تركز على "مجموعة المواثيق والمعاهدات والاتفاقات وقرارات المنظمات الدولية، مما ينبثق جميعه عن القانون الدولي العام، أو ينبغي أن ينبثق عنه وأن يلتزم بالأسس المقررة فيه، وهذا ما يوصف بالقانون الدولي التطبيقي".

من هذا المنطلق، يميّز البعض بين "القانون الدولي" و"الشرعية الدولية" في خطابهم حول القضية الفلسطينية، إذ من وجهة نظرهم، القانون الدولي يرفض كافة القرارات المجحفة بحق فلسطين وأهلها، أولها قرار تقسيم فلسطين، رغم تصويت هيئة الأمم المتحدة عليه، لأنها غير مؤهلة أصلا للتصرف في وطن الغير. كما يؤكد من جهة أخرى د. فهد بن عبد العزيز الخليف في مقال "الشرعية الدولية... ومآلات المستقبل" (2015) بقوله إن هيئة الأمم المتحدة "قد تجاوزت اختصاصاتها المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة، بحيث إنّ المادة (14) التي استندت إليها الجمعية العامة لا تخولها حق اتخاذ قرار في مثل هذا الشأن، وإنما مجرد توصية غير ملزمة. إلا أن قرار التقسيم تجاوز حدود التوصية فضلاً عن أن الجمعية العامة لا تملك سلطة التصرف في مصير إقليم لا تملك السيادة عليه". إلا أن بعض الأحزاب الأوروبية (الحزب الشيوعي الفرنسي مثلا) يدعم إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967، أي أنه يدعم "حلّ الدولتين" على أساس القانون الدولي، كما يفهمه.

غير أن العديد من الجهات، الفلسطينية والعربية والدولية، تنطلق من "المجموعة من المواثيق والمعاهدات والاتفاقات..." كمصدر لهذه الشرعية، ما يجعل من هذه الشرعية شيئا مبهما، لا يرتكز على أسس واضحة.

فمثلا يمكن اعتبار قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالقضية الفلسطينية جزءا من الشرعية الدولية، في حين أن هذه القرارات تناقض القانون الدولي الأساسي، أو الشرعية الدولية المبنية عليه. يصنّف مثلا د. ابراهيم أبراش في دراسته "النظام الدولي والتباس مفهوم الشرعية الدولية" (2005) قرارات مجلس الأمن 181، 194 ، 242 و338 ضمن "الشرعية الدولية" ويتابع بالقول إن الولايات المتحدة تفرض "ممارسات دولية تضرب بعرض الحائط مرتكزات الشرعية الدولية السابقة" لفرض "شرعية جديدة".

نبّه باحثون الى أن مفهوم "الشرعية الدولية" بات يتموج حسب موازين القوى الدولية، أهمها موازين القوى العسكرية والمالية في العالم، حيث سيطرت القوى الغربية على القرار الدولي، من خلال سيطرتها على مجلس الأمن، الذي يعتبر أحد مصادر "الشرعية الدولية" الجديدة، وعلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة ولو بأقل حدة، وعلى قرارات المنظمات التابعة لها. حيث أصبحت قراراتها تشكل إحدى مصادر "الشرعية الدولية".

تقر "موسوعة الجزيرة" بهذا المعنى بقولها أن الشرعية الدولية هي "الالتزام بمجموعة المبادئ والقوانين التي تحكم وتوجّه العلاقات الدولية من خلال هيئة الأمم المتحدة، بما تصدره هيئاتها المكلفة بحفظ السلم والأمن العالميين وعلى رأسها مجلس الأمن الدولي"، رغم التنويه على أننا "نجد أن الشرعية الدولية تخدم الأجندات السياسية للقوى المهيمنة".

طبقا لهذه المفاهيم الغامضة والمتحركة للشرعية الدولية، لم تعد قرارات الشرعية الدولية تعني الشيء نفسه للمتحدثين عنها. فهي تعني غالبا الإقرار بتقسيم فلسطين وشرعية الكيان الصهيوني، كما تعني الإقرار بقرارات مجلس الأمن رقم 181 و224، الخاصة بفلسطين، وهما متناقضان بالنسبة لمدينة القدس، والقرار 194 الخاص بحق عودة اللاجئين، رغم تقويضه بقرار "شرعية دولية" أخرى أضافت عليه وجوب التفاوض حوله مع الكيان المحتل.

كما تعني "الشرعية الدولية" للسلطة الفلسطينية وأركانها الإقرار باتفاقيات أوسلو وملحقاته، وبمبدأ التفاوض والتنازل وبمبدأ "تبادل الأراضي" وبرفض "العنف" (المقاومة)، الى جانب حق تقرير المصير وحق العودة وحماية المقدسات والعيش بسلام بالوطن، التي أكدت عليها هيئة الأمم المتحدة. رغم اعتبار الدول الأوروبية أن الشرعية الدولية هي قرارات الأمم المتحدة وملحقاتها، الى جانب الاتفاقيات المبرمة، فإنها تتعامل مع الاتفاقيات الجانبية بجدية أكبر من قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا عندما تصوّت هذه الأخيرة لصالح الكيان الصهيوني، كما حصل عندما ألغت في التسعينيات قرارا قد اتخذته سابقا حول الصهيونية باعتبارها "شكلا من أشكال العنصرية".

تعتبر الفصائل الفلسطينية المنتمية الى منظمة التحرير الفلسطينية أن "الشرعية الدولية" تؤمن لها دولة في الضفة الغربية وقطاع غزة مع عاصمة في "القدس الشرقية"، في حين تعتبر جهات فلسطينية أخرى أن "الشرعية الدولية" تناقض سياسة الفصل العنصري في الأراضي المحتلة عام 1948، فيتم على أساسه المطالبة، إضافة الى "الأراضي المحتلة عام 1967" بإقامة "دولة لجميع مواطنيها"، على أساس "الشرعية الدولية".

أما بالنسبة "للشرعية العربية"، فتبدو أكثر تمزقا من "الشرعية الدولية"، حيث انطلقت من اللاءات الثلاثة في قمة الخرطوم عام 1967 (لا للإعتراف، لا للتفاوض ولا للصلح) وانتهت بالإعتراف وبالتصالح وبالتفاوض، على الأقل بالنسبة لبعض الدول العربية المؤثرة في القضية الفلسطينية. وافقت القمة العربية في بيروت (2002) على مبدأ الإعتراف بالعدو مقابل القبول الصهيوني ب"حلّ الدولتين".

لقد وضّح مؤخرا المكتب الإعلامي لوزير الخارجية في لبنان، جبران باسيل، حول تصريحه السابق لفضائية الميادين، بأن الموقف اللبناني يندرج تحت مرجعية "الشرعية الدولية" (أي واحدة ؟) "وضمن مرجعية الحقوق العربية والفلسطينية المشروعة واستعادتها كاملة وضمن المبادرة العربية للسلام المجمع عليها في بيروت في آذار ٢٠٠٢". ما يعني أن الموقف اللبناني، وغيره من المواقف العربية، تنطلق من "الشرعية الدولية" الغامضة والمتأرجحة، الى جانب "مرجعية الحقوق" الثابتة دون تحديد ما هي "الكاملة"، و"مبادرة السلام العربية" التي تراجعت ضمنا عن الحقوق "الكاملة"، بموافقتها على الإعتراف بالكيان الصهيوني والتفاوض معه والتخلي عن كامل الأراضي الفلسطينية، وهي الأراضي المحتلة عام 1948، وبمبدأ التفاوض مع الكيان الصهيوني حول حق عودة اللاجئين.

يبدو أن التمسك بهذه الشرعيات المتناقضة والفضفاضة من قبل جهات عديدة في الساحة الفلسطينية والعربية والدولية يهدف الى التخلص من المسؤولية الفعلية إزاء القضية الفلسطينية، والعمل الجاد والسعي لتحرير فلسطين واستعادة "الحقوق الكاملة". كما أن من خلال تمسكها بهذه "الشماعة" التي تعني ضمنيا "نبذ العنف" و"المقاومة المسلحة" والإكتفاء ب22% من فلسطين، تسعى أطراف فلسطينية وعربية الى فتح الحوار مع الدول الغربية ومجتمعاتها، ضمن مفهوم متحوّل للقانون الدولي، الذي من المفترض أن يكون مصدرا للشرعية الدولية. إلا أن السيطرة الغربية، لا سيما الأميركية على العالم، جعلت من قراراتها وتمنياتها وجشعها وتواطؤها مع الكيان المحتل، أبرز مصادر هذه الشرعية اليوم.

عندما تشتكي هذه الجهات بأن كيان العدو لا يحترم "الشرعية الدولية"، يجب التساؤل عن أي شرعية يتكلمون، وما هي مصدرها، وكيف تبلورت، ولماذا لا تتجاوب معها الدول الغربية باتخاذ إجراءات صارمة ضده؟

من الأجدى التمسك بشرعية الحق التي لا تتغير، والسعي الى جعلها شرعية عربية ودولية، بدلا من البحث عن شرعيات متقلبة وغير متفاهم عليها.

راغدة عسيران

اخبار ذات صلة