/مقالات/ عرض الخبر

المؤسسات الدولية والدفاع عن فلسطين

2018/01/08 الساعة 08:32 ص
القدس المحتلة
القدس المحتلة

وكالة القدس للأنباء – متابعة

مقال بقلم / راغدة عسيران

لا تزال كثير من الأصوات الفلسطينية والعربية تنادي المؤسسات الدولية  من أجل تحقيق "العدالة" في فلسطين، أو حماية القدس من التهويد أو الدفاع عن الأسرى في سجون العدو. وفي حين تطالب بعضها التدخل الدولي لحماية الأطفال الفلسطينيين أو مخميات بعينها لمنع بطش المحتل وملاحقة أبناء فلسطين من قبل الصهاينة، يقترح البعض الآخر التوجه الى هذه المؤسسات الدولية لرفع الظلم عن الأسرى ومطالبتها بالضغط على العدو لإجباره على ممارسة إنسانية إزاء الأسرى، لا سيما الأطفال منهم.

ينطلق هذا التوجه من أوهام غرسها "المجتمع الدولي" في إذهان الشعوب المقهورة بأن المؤسسات الدولية وليدة إجماع شعوب العالم، وأنها تعمل لصالحهم. في الحقيقة، وعلى مر التاريخ، ومنذ نشأة هذه المؤسسات، قلما اتخذت قرارات لصالح الشعوب، بل كانت دائما تحاول إحباط سقف تطلعات الشعوب التحررية مقابل تسويات تحفظ بعض مصالح الكيانات الغاصبة أو القاهرة، بعد صراع طويل كاد يهدد مصالح القوى المتغطرسة. أي أن المؤسسات الدولية التي تدعي احترام حقوق الشعوب أو حقوق الانسان وغيرها من حقوق البشر، تتدخل بعد تيقنها بأن الوضع قد يفلت من أيدي "المجتمع الدولي" وأيدي الجلادين. تقوم ساعتئذ باقتراح تسويات، مع حفظ ماء وجه الغاصب بشكل عام.

ثمة مؤسسات تابعة لهيئة الأمم المتحدة، وهي إجمالا تسير على نهجها وتتبنى مواقفها، يتشارك عضويتها مندوبون عن الدول ويتم تمويلها من قبل الدول الأعضاء في هذه الهيئة، مثل اليونسكو أو الفاو أو اليونيسف. لكن هذه المؤسسات لا تملك إلا حق التوصية، عندما يكون الموضوع مرتبطا بصراع سياسي أو وجودي، كما هو حال اليونسكو في مسألة الحفاظ على القدس والمقدسات والآثار في فلسطين. في هذه الحالة، القرار الصادر عن هذه المؤسسات يبقى في إطار التوجه العام للأمم المتحدة، ما يعني أنه في مسألة القدس والمسجد الأقصى بالتحديد، تعتبر اليونسكو أن الجزء الشرقي من القدس فقط هو محتل، وأن المسجد الأقصى تابع للأوقاف الإسلامية. ولكنها لا تعتبر أن أسوار عكا المحتلة وبلدتها القديمة جديرة بالاهتمام من قبلها إلا ضمن "السيادة الصهيونية"، أي أنها تتعامل مع هذه الآثار الفلسطينية وكأنها ملك المحتل الذي اعترفت به الأمم المتحدة. كما لا تتعامل مع مساجد صفد وعكا ويافا التاريخية على أنها ملك للفلسطينيين وللأوقاف الإسلامية، بل على أنها ملك للصهاينة، يتصرفون بها كما يشاؤون في حدود "الاعتراف بحقوق الغير" أي ما يعتبر "أقليات دينية" في الكيان الصهيوني. لذا لا تطرح اليونسكو مسألة تهويد المقدسات في الأراضي المحتلة عام 1948، والموضوع غير مطروح أصلا من قبل القيادة الفلسطينية "الرسمية"، أو من قبل أي جهة عربية وإسلامية في العالم.

ثمة مؤسسات دولية أخرى شبه مستقلة عن الحكومات في العالم، تهتم بحقوق الإنسان (مثل منظمة العفو الدولية) وبالأسرى في حالات الصراع أو الحروب بين الدول (مثل الصليب الأحمر الدولي)، وقد أصبحت أهم هذه المؤسسات جزءاً من المنظومة الدولية أي أنها تشارك في الاجتماعات الدولية وتحصل على تمويل سخي من قبل حكومات وشركات عالمية، لمواصلة عملها، ليس حباً بالإنسانية بقدر ما هو لمنع التوتر في العالم، حيث يحبذ المجتمع الدولي بشكل عام إشاعة أجواء هادئة لتسيير أعماله الاقتصادية وتغلغله في المجتمعات كافة، إضافة إلى إعلاء مسألة حقوق الفرد بدلاً من حقوق الجماعة في الفكر النيوليبرالي المسيطر. منذ التسعينيات من القرن الماضي، تكاثرت هذه المؤسسات في العالم، وأصبحت تشارك في اجتماعات الهيئات الأممية (حقوق إنسان، بيئة، مرأة، تنمية) كمراقبين أو مستشارين، ما جعلها تعتبر أنها تساهم في رسم صورة عالم الغد. في المقابل، أفرزت المؤسسات الأم العديد في الجمعيات المحلية التابعة لها، تمولها ضمن شروط محدّدة، غالباً سياسية. في المجال الفلسطيني بالذات، تمنع المؤسسة الأم إفرازاتها المحلية التعاون مع المقاومة أو القيام بحملات معادية للصهاينة أو للنفوذ الأجنبي. أثبت وقف تمويل مشاريع مجتمعية من قبل الدانمارك والنروج هذا التوجه، بعد الضغط الذي مارسه كيان العدو على هاتين الدولتين الأوروبيتين لإيقاف تمويل من يدعم حملة مقاطعة العدو ومؤسساته؛ وكان النروج، البلد الذي يدعي دعمه لحقوق الشعب الفلسطيني، قد سحب تمويله عن جمعية فلسطينية بسبب تمسية مقرها باسم الشهيدة دلال المغربي.

منذ اتفاقيات أوسلو، أصبح التوجه إلى المؤسسات الدولية توجهاً شائعاً لدى جميعات وأحزاب أيضاً، سواء أكانت هذه المؤسسات تابعة للأمم المتحدة أم شبه مستقلة، وتحريضها للضغط على الكيان المحتل، امتثالاً بالسلطة الفلسطينية وبسبب فقدان الثقة بالجماهير وقدرتها على إحراز انتصارات على المحتل. في مسألة الأسرى مثلاً، تتوجه الجمعيات إلى عدد من المنظمات الدولية (العفو الدولية، حقوق الإنسان الدولية وغيرها) لحثها على الاهتمام بوضع الأسرى. قد تتجاوب بعضها وتكتب تقريراً مفصلاً باللغات الأجنبية وتقوم بحملة عالمية (مرة كل سنتين أو ثلاث سنوات) للمطالبة بتحرير "معتقل سياسي" ( وهو لدى منظمة العفو الدولية، المعتقل الإداري، حيث لا تقوم هذه المنظمة بالدفاع عن المقاومين وحق المقاومة)، لكن لا تؤثر هذه الحملات الداعمة التي تسلط الضوء على أسير محدد، على مجريات الأمور، إذ لا يطلق سراحه، رغم عالمية الحملة التي قد تزعج الاحتلال قليلاً؛ بل الأسير المقاوم ونضاله ومجتمعه المساند له هو من يحقق الانتصار على السجان، ويطلق سراحه، كما حصل مع الشيخ خضر عدنان مراراً. عادة، الحملة العالمية التي تقوم بها مؤسسة ما تأتي بعد التحشيد المحلي، وأحياناً التحشيد العربي والإسلامي، حيث تجد أنه من المفيد التحرك لكسب شعبية الجمهور، الفلسطيني والعربي، وإضفاء نوع من شرعية العمل من خلال هذه المؤسسات.

لا تتحرك المؤسسات الدولية، التابعة أو غير التابعة للأمم المتحدة، إلا بعد رفع الأصوات عالياً من قبل المجتمع المعني بانتهاك حقوقه، الشعب الفلسطيني، من خلال فصائله وأحزابه وفئاته المختلفة، ورفع أصوات الشعوب العربية كافة دعماً ومساندة له، واتخاذ إجراءات مضادة أحياناً، كما حصل مع مؤسسة الصليب الأحمر الدولي، عندما تم احتلال مقرها في بيت لحم واتهامها بعدم القيام بواجبها، قبل سنوات. قد تحرجها تقارير موثقة تدعوها إلى ممارسة الضغط على العدو، ولكنها لن تتحرك بفعل هذه التقارير والنداءات المتكررة إلا بعد مشاهدتها التحركات الجماهيرية في العواصم العربية والإسلامية، أي أنها تلعب دور الصدى لها في المحافل الدولية، لكنها لن تحرر أي أسير ولن تسعى إلى تحريره أو تخفيف حكمه، لأنها ملتزمة بما يسمى "قانون" كيان الاحتلال، وبالنسبة لقوانينه، الأسرى "إرهابيون" لأنهم حاربوا ويحاربون الكيان. المقاومة فقط تستطيع تحرير الأسرى من خلال استبدالهم بمن يخطف من محتلين، إلى جانب التحرك الشعبي المستمر، فلسطينياً وعربياً، من أجل نيل كافة حقوقهم في الأسر، وفك الحصار المفروض عليهم ووقف التنكيل بهم، ومساندة أهلهم ورفع معنوياتهم.

من أجل ذلك، علينا التوجه إلى الشعوب قبل التوجه إلى المؤسسات الدولية، وتنظيم الدعم والحملات الإعلامية باتجاه الشعوب العربية قبل غيرها، لأن من واجبها تحمل العبء إلى جانب الشعب الفلسطيني.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/120569

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا