معاناة النازحين الفلسطينيين من سوريا إلى لبنان، تزداد سوءاً يوماً بعد آخر على كل الصعد: الصحية، التربوية، المعيشية والإسكانية، ما اضطر عدد من النازحات إلى مواجهة هذا الوضع الصعب، بالنزول إلى معترك العمل، ضمن الإمكانات المتواضعة المتوافرة، بخاصة الإرادة منها، وذلك لمساعدة المعيل في تغطية النفاقات والأكلاف المعيشية الكثيرة والكبيرة.
لم تستسلم النازحة أم أحمد لشبح البطالة، فقررت الإستفادة من خبرتها، واتقانها لمهنة حياكة الصوف، وسيلة لسد بعض متطلبات الأسرة، من طعام ودواء وكتب مدرسية وغيرها، فأخذت ركناً صغيراً في زاوية المنزل، وبدأت تعمل على حياكة فساتين للأطفال، وبيعها للتجار في السوق، مقابل مبالغ تسهم في تقديم العون لأبنائها.
وقالت أم أحمد البالغة من العمر (51 عاماً) والتي تعيش في مخيم عين الحلوة، لـ"وكالة القدس للأنباء": "لقد تعلمت حياكة الصوف من أمي في سوريا، فهي كانت تتقن هذا العمل، والآن أجلس لساعات وأنا أحمل السنارة دون ملل، وأحيك الصوف الذي أشتريه على شكل كرات، وأحوله إلى فساتين صغيرة للأطفال، وأبيعها للتجار في السوق، وبذلك أحصل على المال، وأحارب الفقر وطلب الحاجة من الناس، فبهذه المهنة تمكنت من توفتر متطلبات الحياة، وأعيل زوجي وأولادي"، مشيرة إلى أن "الحياة في لبنان لا تشبه الحياة في سوريا، حيث كان معاش زوجي يكفينا، ولم أفكر يوماً في العمل أو أن نصل إلى هذا الحال".
وأضافت:"عندما أجلس على الطراحة وأبدأ في العمل، أشعر بالسعادة، في البداية كنت أقوم بفرط الملابس القديمة المصنوعة من الصوف، وأحيك ملابس جديدة منها، وكان هذا العمل يريحني كثيراً، فعندما أغضب كنت ألجأ لهذا العمل، لكن بعد أن تهجرنا من بيوتنا منذ أكثر من 4 سنوات، اضطررت للعمل، وكان من الصعب أن أجد عملاً يناسبني بسبب كبر سني، فلجأت إلى حياكة الصوف، وأشكر الله أننا لم نحتج إلى أحد".
وأشارت إلى أنها ستورث مهنتها لابنتها، مثلما تعلمتها من أمها، التي لا تمل من الدعاء لها بالرحمة والمغفرة، متمنية أن تعلم جيرانها أيضاً الحياكة، وهي تعرض عليهم دائماً تعلم هذه المهنة، حتى وإن كانت أحوالهم جيدة، معتبرة أن هذه المهنة لها متعة خاصة جداً، ومن الممكن أن تقوم أي سيدة بالحياكة لأطفالها، كي تبقى هذه الأشغال ذكرى لهم، بحسب ما قالت.
بهذه الروح، وبهذه العزيمة، تقدَم المرأة الفلسطينية النموذج المكافح، فهي كما كانت دائماً على مرَ العصور وأمام التحديات، أقوى من الأزمات، قادرة اليوم على ابتداع أساليب تقهر فيه العوز، وتنتصر للحياة، حتى يأتي ذلك اليوم الموعود بعودتها مع أسرتها، إلى حضن وطنها الأم فلسطين.