/مقالات/ عرض الخبر

القدس .. مدينة تأبى التقسيم

2017/12/21 الساعة 06:53 ص
القدس المحتلة
القدس المحتلة

وكالة القدس للأنباء – خاص

مقال بقلم / راغدة عسيران

رفضت معظم دول العالم قرار الرئيس الأميركي ترامب باعتبار القدس عاصمة الكيان الصهيوني. لكن أصرّ بعضها على التعامل مع مدينة القدس كمدينة مجزأة، بين غربها المحتل عام 1948 وشرقها المحتل عام 1967، واعتبار جزئها الغربي ملحقاً بالكيان الصهيوني. لقد كرّست القرارات الدولية تجزئة مدينة القدس، وتبنّت معظم الدول العربية والإسلامية هذه النظرة الظالمة والمجحفة بحق الفلسطينيين والعرب، كما شاركت السلطة الفلسطينية، بعد قرار منظمة التحرير الفلسطينية الاعتراف بالكيان الصهيوني على الأراضي المحتلة عام 1948، بترسيخ صورة مشوّهة عن "القدس الغربية"، وكأنها خارج التاريخ العربي الإسلامي للمنطقة وفلسطين.

لم يحظ الجزء الغربي من مدينة القدس بالدراسات الكافية للتأكيد على عروبته وأهميته، حيث يشكّل حلقة الوصل بين الجزء الشرقي المحتل عام 1967 والضفة الغربية من جهة والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948من جهة أخرى، كما كان واضحاً عندما شنّت العصابات الإرهابية الصهيونية هجومها على قرى غربي القدس عام 1948 لتأمين تواصلها مع الساحل (يافا)، حيث كانت تتكدّس الأسلحة القادمة من الدول الأوروبية دعماً لعدوانها. إضافة الى أهميتها الاستراتيجية، شكّلت أحياء غرب القدس الامتداد الطبيعي لأحياء شرقها، وكلّها أحياء تشكّلت خارج أسوار البلدة القديمة في القرن التاسع عشر، خلال الحكم العثماني. ألغى احتلال الجزء الغربي من القدس عام 1948 وتكريس هذا الاحتلال دولياً، هذا الامتداد التكاملي لأحياء مثل حيّ الشيخ جراح، الذي بات الآن معرضاً لعملية تهويد شاملة، ولأحياء تم تقسيمها عام 1948، كحيّي المصرارة وبيت صفافا، الذين شكلا فيما بعد نقطتا انطلاق تهويدية نحو الأحياء الواقعة في الجزء الشرقي من القدس.

رغم التشابه بين غربي القدس والأراضي المحتلة عام 1948، من حيث التعامل الصهيوني، باعتبارهما "أرض إسرائيل"، إلا أن الكثافة السكانية الفلسطينية في بعض المناطق المحتلة عام 1948 ومدنها مثل يافا وعكا والرملة، رغم التطهير العرقي والديني الذي أصابها، جعلت المؤسسة الصهيونية أكثر حذراً في التعامل معها، إذ تأخذ بعين الاعتبار وجود تلك "الأقلية" التي يجب "أسرلتها"، في حين أن التطهير العرقي والديني الذي مارسته العصابات الصهيونية في غرب القدس وكافة القرى المحيطة به جعلها تتعامل وكأن هذا الجزء من القدس، يمثل أهم مركز في الكيان الصهيوني، لا سيما بعد اعتباره جزءاً من عاصمتها "الأبدية"، حيث أقامت فيه المراكز الإدارية لمؤسساتها. ولم يكن قرار "توحيد القدس" الصهيوني بضم "القدس الشرقية" عام 1968 إلا الحلقة الأخيرة لعملية التهويد التي بدأت في القرن التاسع عشر، برعاية العواصم الغربية.

انطلق العمران العربي في القدس خارج أسوار البلدة القديمة في القرن التاسع عشر، كما حصل في سائر المدن العربية في ظل الحكم العثماني. تأسست الأحياء العربية في تلك المنطقة، من الشمال إلى الجنوب، في الشيخ جراح ووادي الجوز وباب الساهرة، مثلاً، وتوسّعت على أراضي القرى المجاورة، حيث ارتفع البناء على أراضٍ تم شراؤها (من أراضي قرية المالحة مثلاً)، أو على أراضي أوقاف الكنيسة. تفيد الدراسات التاريخية حول الجزء الغربي من القدس أن بعض العائلات المقدسية نزحت من البلدة القديمة نحو الغرب، كما قدمت عائلات فلسطينية من مناطق أخرى، لتؤسس أحياء جديدة، منها الطالبية والقطمون، والشيخ بدر، والمصرارة، والبقعة التحتا والفوقا، ودير أبو ثور، وحي الطوري، وحي النبي داوود. ضمت هذه الأحياء العائلات العربية (وأحياناً الأرمنية واليونانية) الميسورة غالباً، ولكن سكنت بعضها أحياء أخرى ضمن الجاليات الأجنبية، في الكولونيا الألمانية والكولونيا اليونانية، على سبيل المثال، وتوزعت أيضاً بيوتها على شارع يافا وفي حيّ "الماميلا" (مأمن الله) حيث تتواجد المقبرة الإسلامية التاريخية. لم ينقطع التواصل بين البلدة القديمة والأحياء الجديدة، ذلك بسبب استمرار عمل المقدسيين فيها والزيارات العائلية، ولكن سنحت إقامة هذه الأحياء فرصة عمل لكثير من المقدسيين والريفيين المجاورين، الذين افتتحوا فيها المحلات التجارية والأسواق الحرفية.

ترافق التمدد الفلسطيني خارج أسوار البلدة القديمة مع تغلغل الجاليات الأجنبية التي استغلت الإصلاحات العثمانية المتعلقة بتملك الأرض، في عامي 1839 و1856، لشراء الأراضي، وكان من بينهم اليهود الذين شرعوا بإقامة أحياء خاصة بهم في هذا الجزء من القدس. تزامنت أولى المستوطنات مع بداية المشروع الصهيوني. أضفى التواجد الأجنبي، ومنه اليهودي، في تلك المنطقة، انطباعاً بكون هذا الجزء من المدينة "كوسموبوليتيا" أي متعدد الجنسيات والثقافات، كما حصل أيضاً في مدن أخرى في المنطقة، ولكن بدرجة أقل، وذلك بسبب أهمية القدس وتصارع الدول الغربية والشرقية لامتلاكها والتأثير على مصيرها. تشير أغلب الدراسات حول "القدس الغربية" إلى إحصائيات لعدد السكان أجريت في أواخر القرن التاسع عشر أو خلال فترة الاحتلال البريطاني، أي بعد تزايد عدد اليهود بشكل مطرد، والذي يقول إنهم كانوا يشكّلون أكثرية سكان غربي القدس. ولكن يكفي العودة إلى ما قبل هذه الفترة الزمنية للتأكيد على أنه ليس لهذا التواجد أي جذور، لأنه تزامن مع عملية التغريب التي طالت أراضي الامبرطورية العثمانية في القرن التاسع عشر. وباستثناء بعض العائلات اليهودية اليمنية والبخارية التي كانت تسكن في البلدة القديمة، لم يكن لليهود أي تواجد في منطقة القدس قبل هذه الفترة، لا سيما في الشق الغربي منها. 

لم تضم منطقة غربي القدس أماكن أثرية ودينية بنفس القدر والأهمية التي احتوت عليه البلدة القديمة مع قلعتها وأسوارها، حيث يتواجد المسجد الأقصى الشريف وكنيسة القيامة، إلى جانب المساجد والمدارس والحارات والشوارع والمئات من الآثار المنتشرة تحت كل حجر من أحجارها. إلا أن غرب مدينة القدس مثّل امتداداً للبلدة القديمة بعد تطورها وتحديثها وتشكيل مجلس بلدي (1863) اعتنى بها، خلال الفترة العثمانية، وشهد صعود طبقات اجتماعية جديدة لعبت دوراً مهماً في معركة التحرر من القوى الأجنبية الغربية، في العواصم الأخرى من العالم العربي. ورغم افتقارها للآثار التاريخية، إلا أنها تضم مقبرة مأمن الله التاريخية، والبيوت الفلسطينية ذات الطراز العربي الإسلامي، التي ما زالت تشهد على نكبة عام 1948، عندما استولت العصابات الصهيونية على هذا الجزء من المدينة وضواحيه وقراه، واقترفت المجازر (مجزرة دير ياسين في يوم 29/4/1948) وفجرّت المباني (فندق السميراميس في القطمون في يوم 5/1/1948)، وقصفت الأحياء (القطمون في آذار 1948) لطرد الفلسطينيين من أحيائهم وبيوتهم. 

كثرت الشهادات حول نهب الأحياء الفلسطينية غربي القدس، التي سقطت بأيدي العصابات الإرهابية بعد أيار 1948. مثلما تميّز اليوم المؤسسة الصهيونية بين أعمالها الإرهابية الرسمية التي تقوم بها أجهزتها، وأعمال العصابات غير الرسمية التي ترعاها، فكان النهب الرسمي وغير الرسمي للبيوت الفلسطينية، والاستيلاء الرسمي وغير الرسمي عليها لإسكان اليهود هو المشهد الأساسي في الأيام التي تلت نكبة القدس. شكّل نهب المكتبات الخاصة في هذه البيوت إحدى أكبر عمليات النهب في التاريخ الحديث، حيث تشير الدراسات حول الموضوع أنه تم الاستيلاء على أكثر من 30,000 كتاب ضمت إلى ما يسمى بالمكتبة الوطنية في الكيان. اعتبرت الباحثة الأميركية حنة مرملشتاين، التي عمّقت دراستها لهذه الكتب المصنفّة تحت بند "ممتلكات الغائبين"، أن نهب هذه الكتب هو بمثابة "إبادة ثقافية" لأنها تشكل جزءاً مهماً من التراث الثقافي الفلسطيني، كون معظمها كتباً عربية أكاديمية وتراثية، وكون بعضها محدود الطباعة وغير متواجد في الأسواق.

تشير الإحصائيات المتوفرة لدى الباحثين إلى أن التطهير العرقي والديني في الجزء الغربي من القدس والقرى المحيطة به أسفر عن تشريد أكثر من 30 ألف فلسطيني، نزحوا إلى الجزء الآخر من المدينة التي ضمت إلى المملكة الهاشمية عام 1949، في حين توجّهت بعض العائلات الميسورة إلى مصر ولبنان. لم ينس اللاجئون قراهم وأحياءهم، فتجمعوا وأسسوا الجمعيات والأندية للمطالبة بحقهم بالعودة، ويناضلون اليوم، كما يناضل أبناء قرية لفتا المهجرة، للعودة ومنع إقامة مشاريع سياحية تهويدية على أراضيهم. ما يعني أن الجزء الغربي من القدس وقراه المهجرّة يقع في صلب المطالبة بحق عودة اللاجئين الى أراضيهم وأملاكهم، ولا يمكن الاكتفاء بذكر "القدس الشرقية" كعاصمة لـ"دولة فلسطين"؛ إذ يشكل الجزء الغربي من المدينة، الذي احتلته العصابات الصهيونية عام 1948 الامتداد الطبيعي والتاريخي والحضاري لها. فهي المدينة العاصمة المتكاملة بشقيها الشرقي والغربي، مهما ادّعى الصهاينة غير ذلك، ومهما ظنّت القوى الدولية الساعية اليوم إلى تكريس تجزئة مدينة القدس، تحت شعار "حل الدولتين" و"القدس الشرقية عاصمة الدولة الفلسطينية".

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/119833

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا