وكالة القدس للأنباء – خاص
مقال بقلم / راغدة عسيران
مئة عام تفصل بين الوعد البريطاني المشؤوم والقرار الأميركي الجهنمي.
مئة عام من التواطؤ العربي مع القوى المتغطرسة في العالم، مقابل مئة عام من المواجهة الفلسطينية العربية والإسلامية مع الأعداء. بين الوعد والقرار، كانت النكبة الأولى ثم الثانية، وإقامة كيان العدو بدعم الجيش البريطاني وقوى عالمية أخرى، وتشريد الشعب الفلسطيني، وتوسيع الاستيطان على كل الأراضي المحتلة، وحروب وعدوان على الأمة. خلال هذا القرن، انقسمت النخبة، الحاكمة وغير الحاكمة، حول تحديد من هو العدو ومن هو الصديق، وقد تم إجهاض ثورات الشعب الفلسطيني ضد المحتل والمستعمر والمستوطن بسبب جهل هذه النخبة "المتنوّرة" للتاريخ والجغرافيا والعقيدة، وارتباط بعضها بالقوى المعادية.
قبل مئة عام، اعتبرت النخبة الحاكمة في الدول العربية أن بريطانيا صديقة العرب، ويجب موالاتها والتقرب منها وتقديم التسهيلات الأمنية والسياسية لها لتمكينها على اعدائها من الأوروبيين. فتم إجهاض الثورة الفلسطينية المعادية لبريطانيا والصهاينة، بإصدار وعود أخرى (الكتب البريطانية الواعدة بالحد من هجرة الهيود الى فلسطين)، ما لبثت التخلي عنها مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لم ينفَذ إلا وعد بلفور الذي سلّم فلسطين إلى الحركة الصهيونية، فطارت كافة الكتب والتصريحات والوعود في مهب الريح.
بعد مئة عام، يهدي الرئيس الأميركي ترامب مدينة القدس الى العدو الصهيوني، وكأنها ملكه، بعد عقود من محاولات الإدارة الأميركية من حرف أنظار شعوب الأمة عن فلسطين والقدس، باختراع قضايا أخرى وأعداء آخرين لهم: "الإرهاب الإسلامي" منذ التسعينات، والجمهورية الإسلامية في ايران، وكل من يواجه العدوان الأميركي على الأمة ومن يواجه العدوان الصهيوني، من حركات شعبية أو حركات مقاومة مسلحة، حتى وصل الأمر مؤخراً إلى تبني النظرة الأميركية من قبل أنظمة ومؤسسات سياسية وإعلامية وحركات وشخصيات في العالم العربي والإسلامي، تدين المقاومة بوصفها "إرهابية" بدلاً من إدانة الإرهاب الصهيوني المستشري في كافة أنحاء فلسطين وفي عواصم العالم.
قبل النكبة الأولى، عندما واجه الشعب الفلسطيني القوات البريطانية وملحقاتها الصهيونية، كان قد أسقط الخوف من معجمه، واستطاع بعد انتفاضات متواصلة، من توحيد جهوده ضد أكبر قوة في العالم، التي أوفدت إلى فلسطين ما يقارب 60 ألف جندي لمحاربة شعب لا يملك إلا إرادته وبعض الأسلحة، وكاد ينتصر لولا تدخّل الأنظمة العربية التي وثِقت بالوعود البريطانية وعملت على إثارة النعرات العائلية والفئوية والمناطقية لإجهاض الثورة.
خلال المئة العام الفاصلة بين وعد بلفور وقرار ترامب، رهنت الأنظمة مصير بلادنا بـ"المجتمع الدولي" وتبنّت "الشرعية الدولية" بدلاً عن حق الأمة بكل وطنها. اليوم، أسقط قرار ترامب كل الأوهام: وهم "المجتمع الدولي" الذي قد يساعد على إيجاد حل "منصف"، كما يقولون، ووهم "شرعية دولية" غير منصفة تسعى إلى اقتسام فلسطين والقدس، بين الزاحفين الحاقدين من وراء البحار والشعب الفلسطيني، كأمر واقع يُطلب من الشعب الفلسطيني والشعوب العربية الرضوخ له. جاء قرار ترامب ليسقط هذا الوهم، وليؤكد مرة أخرى (بعد وعود بريطانيا) أن الغرب الامبريالي تحكمه مصالحه وليست المبادئ التي يتغنى بها.
لا شك في أن بين الوعد والقرار، ترسّخت تبعية الدول العربية والإسلامية للأجنبي، كونها رهنت استقلالها وتنميتها بارتباطها بالدول الغربية وعقودها وشركاتها، بعيداً عن مشاريع الوحدة بينها وتكاملها، ما أثر على قرارها السياسي. لا شك أيضاً في أن بعض هذه الدول، وبالتحديد مصر والأردن، اعترفت بالكيان الصهيوني، وأقامت علاقات متعددة الجوانب مع الكيان المغتصب، كما أن الدول الخليجية وغيرها فتحت أبوابها للنفوذ الصهيوني، من خلال المجتمع الدولي ومؤسساته أو بدون وساطته، وظنّت أنها ستلعب دوراً ريادياً في الأمة، بسبب أموالها التي وظفتها لفرض حلول لا تناسب الشعب الفلسطيني وتطلعاته نحو الحرية والعودة، ولا شعوب المنطقة الساعية إلى التحرر من النفوذ الأجنبي. لا شك كذلك في أن مسار التطبيع بين جهات أو شخصيات فلسطينية، وعربية وإسلامية من جهة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، ساهم في حرف البوصلة عن فلسطين والقدس، وأثار بلبلة فكرية وسياسية، وحتى أمنية، في صفوف أبناء الأمة.
ولكن قرار ترامب صدر بعد صعود المقاومة الفلسطينية وتمتينها، وهي التي أهلكت الصهاينة بالانتفاضات المتكررة ودافعت عن أرض غزة بصواريخها وأنفاقها، كما جاء بعد تحرير أرض الجنوب اللبناني بفضل مقاومة حزب الله، المنتصر في عدوان 2006 على الكيان الصهيوني والولايات المتحدة، وتصاعد قوى مقاومة العدو في المنطقة واندحار القوات الأميركية من العراق وفشلها في إخضاع شعوب المنطقة لمخططاتها، التي تسارعت منذ التسعينات من القرن الماضي والتي حاولت فرضها بقوة سلاحها قبل قوة حربها "الناعمة".
تروّج التصريحات والتحليلات الصهيونية أن الرد على قرار ترامب لن يلاقي ردوداً قوية، وذلك لأن الشعوب العربية لا تولي أهمية للقدس ولفلسطين، أولاً، ولأنها غارقة في همومها ومشاكلها، ثانياً، ولأن الأنظمة العربية قد تدعم الصفقة الترامبية الشاملة، مقابل الحصول على بعض الفتات الإقتصادية، وبعض الهوامش من فلسطين لإرضائها. ولكن، ورغم الترويج لهذه التمنيات الصهيونية من قبل إعلام عربي خاضع، يبدو أن الصهاينة ومن يدعمهم، عربياً ودولياً، لم يفهموا بعد أهمية فلسطين وخاصة القدس ومقدسات فلسطين للفلسطينيين ولشعوب الأمة، وأن انتهاك القدس وبيعها كما انتهكها القرار الترامبي قد يطيح بكل مساعي "المجتمع الدولي" منذ وعد بلفور لإيجاد حل غير منصف للقضية الفلسطينية، أي مقاضاة الحق الفلسطيني بـ"الشرعية الدولية".
يدرك الشعب الفلسطيني، كما تدرك فصائله المقاومة، أن لا وجود له كشعب وكقضية إلا بالقدس، وشعوب الأمة تدرك أيضاً أن القدس التي أهداها ترامب للصهاينة هي التي أبقتها أمة حيّة حتى الآن، وتبقيها حيّة وذات تاريخ وحضارة، رغم تقاعسها والابتعاد عنها بين الحين والآخر. "إذا راحت القدس، لن يبقى شيئاً"، ليس للفلسطينيين فقط ، بل لشعوب الأمة. يريد الأعداء إدخال الإحباط فينا، بترداد أقوال الصهاينة وتقديراتهم، إلا أن أولى أيام الرد على القرار الترامبي أظهرت أن الأمة ما زالت تمتلك روح المواجهة من أجل القدس وفلسطين، رغم مآسيها أو بسبب مآسيها. راهنت القوى المعادية لشعوب الأمة على انشغالها بقضياها وتشتتها، لأنها لم تفهم الى الآن أن القدس توحّد شعوب الأمة، من جاكارتا الى تطوان، وأن شعوب الأمة بحاجة للوحدة.
هل سيطيح قرار ترامب بوعد بلفور، أي استعادة كل فلسطين وإلغاء وجود الكيان الصهيوني؟ لن يتحقق هدف الملايين من أبناء الأمة وحلمهم إلا بشروط، في مقدمتها المشاركة بالانتفاضة الفلسطينية في كل أرجاء الوطن العربي وحمايتها من كل الأوهام التي قد تخرج لإجهاضها، من قبل الأنظمة ودعاة "الشرعية الدولية"، ومدّها بالمال والسلاح وكسر الحصار المالي المفروض على الشعب الفلسطيني وعلى عائلات الشهداء والأسرى، والمطالبة بإعادة تدريس القضية الفلسطينية وتاريخ القدس وحاضره في كافة المناهج التربوية العربية، بعد إلغائها بضغط من "الشرعية الدولية"، والتخلّص من النفوذ الأجنبي، لا سيما الأميركي، في المنطقة ومواجهة النخبة "المتنورة" الداعية الى الإنخراط في المنظومة الدولية على حساب فلسطين والقدس.
