خلال مهرجان "الخريف التشيخوفي" في مدينة يالطا بجمهورية القرم، قلّد رئيس اتحاد كُتّاب روسيا في موسكو، الشاعر فلاديمير بويارينوف، الشاعر الفلسطيني عبدالله عيسى، وسام الإتحاد "تشيخوف للإبداع 2017"، وسلّمه بطاقة عضويته الكاملة، وذلك تقديراً لإسهاماته الكبيرة والعميقة في حركة الإبداع المعاصر، وإثرائه للحياة الأدبية والثقافية الإنسانية، ولدوره في التقريب بين الثقافات وحوار الحضارات، عبر أعماله وترجماته ومحاضراته ومشاركاته في مؤتمرات دولية متعددة.
ومع هذا التكريم، يكون عيسى، أول شاعرٍ عربيّ وأول شاعر غير روسيّ يحصل على عضوية كاملة لإتحاد كُتّاب روسيا، حيث اختِير من بين أكثر من 400 مبدع من روسيا ودول أخرى لنيل الوسام.
ورأى عيسى في حديث خاص لـ"وكالة القدس للأنباء"، إنه "لاينبغي التعامل مع منح وسام تشيخوف الإبداعي، بوصفه أشبه بجائزة تمنح إثر مسابقة أو في مناسبة ما الخ ، بالقدر الذي يجب قراءته كونه يمثل تقديراً لإسهامات إبداعية عبر تاريخ من الإنتاج الثقافي، أصّلت لمشروع إبداعي خصوصي، قدّم للثقافة الإنسانية جديداً يسهم في تطوير تاريخ حركتها الإبداعية، ويدخل بها إلى مستقبل الفعل الإبداعي ذاته. كما أن منح هذا الوسام يرتبط أيضاً بالرؤيا الإبداعية للقضية الإنسانية المقدّمة بالنص الإبداعي، وأثرها في مجرى المشهد الإبداعي الإنساني، ومدى حضورها وتأثيرها في متن العملية الثقافية والإبداعية، ونقلها إلى مصاف القضايا الإنسانية الكبرى، إضافة إلى الدور الذي يقوم به المبدع في عملية تلاقح الثقافات وتأصيل فعل الحوار بينها وبين الحضارات، عبر الترجمة والدراسات والمحاضرات والمؤتمرات ..الخ". مؤكداً أن "هذا هو المنهج المتبع في منح هذه الجائزة كما فهمت لحظة تقليدي الوسام" .
وعدَد عيسى إسهاماته التي منح بموجبها الوسام في حقول الإبداع الشعري والترجمة الفنية، والسينما والمسرح، والمحاضرة والدراسة والتواصل الثقافي والحضاري وسواها، مشيراً إلى أنه "يشهد لي أنني في حقل الشعر خلقت إبداعات خصوصية متميزة برؤى جديدة للإنسان والعالم وبانزياحات جمالية خاصة ، وجدت مكانها الخصوصي في حركة الشعر الإنساني ، وقدمت عالمي كشاعر بأبعاد كونية، وقضيتي بوصفها مشروعاً جمالياً في مواجهة القبح الذي يمارسه قاتلي الفذ القائم على القتل والتدمير والإلغاء. وفي الترجمة قمت بنقل كبار الشعراء الروس إلى العربية، والعكس، وقدمت للروسية شعراء عرب كبار مثل أدونيس ودرويش والسياب ومحمد بنيس والأبنودي وسواهم بدراسات أكاديمية تعتبر مرجعاً علمياً للدارسين. كما أنني أنتجت وأخرجت
أفلاماً وثائقية وفنية متميزة، لعل الأكثر حضوراً منها إخراجي فيلم " ونحن نحب الحياة " السينمائي الذي صورته في غزة و يجسد أحلام أطفال فلسطين في الحصار ، وشارك في مهرجانات دولية كثيرة خارج المسابقات لخصوصيته الفنية ، وكذلك فيلم " اختبار الموت " الذي أنتجته ، ويصور اختبار إسرائيل لأول قنبلة نووية في جنوب افريقيا مطلع ثمانينيات القرن الماضي ، وسواها الكثير، وغير ذلك من مشاركات في مؤتمرات دولية ، وإلقاء محاضرات وندوات في كبريات الجامعات والمعاهد ، ومشاركتي كعضو في لجان تحكيم مهرجانات شعرية وسينمائية مهمة وعالمية .أعتقد أن هذا وغيره قيّض لي دون سواي للحصول على وسام تشيخوف الإبداعي 2017 ".
الإنتصار للحياة والجمال
وأشار الشاعر عيسى إلى أنه تم تقديمه لدى تقليده الوسام على المنصة في ختام مهرجان الخريف التشيخوفي الدولي الثامن، وحصوله على شهادة الوسام، بوصفه شاعراً فلسطينياً، قائلاً "لعل عليّ لتأكيد ذلك ذكر ما قاله الشاعر الكبير فلاديمير بويارينوف النائب الأول لرئيس التجمع الدولي لاتحادات الكتاب، ورئيس الإتحاد الكتاب الروس- موسكو، أثناء حفل تقليدي وسام "تشيخوف " الإبداعي، بأن " أهمية الشاعر عبدالله عيسى تكمن في قدرته على التملك من ناصية الكلمة ومنحها مقدرة خصوصية لخلق عالم جمالي ينتصر للحياة بالحب على الموت، ويقدم قضيته عبر أدواته الشعرية والسردية والسينمائية والدبلوماسية، كجزء أصيل من قضية الإنسان عموماً، وامتحان لمدى مقدرة البشرية في تحقيق العدالة الإنسانية في مواجهة أعداء الحياة والجمال في كوكبنا الأرضي " . مايؤكد بالضرورة بأنه إقرار بمقدرة المبدع الفلسطيني الذي يساهم في خلق منجزات إبداعية متميزة على تقديم ثقافته التي تجسد هويته أصلاً بوصفها عنصراً فاعلاً في سياقات الثقافة العالمية ، يتفاعل مع عناصرها الأخرى لخلق عالم ثقافي مشترك . فالثقافة الفلسطينية ليست شريكاً للثقافة الإنسانية ، بل أحد أبرز خالقيها ، منذ طفولتها الأولى إبان الحضارة الكنعانية ، ثم الفينيقية ، وما تلاها ، وكذلك مساهمة في تطويرها ، وجعلها أكثر غنى وتفردّاً ، والأمثلة كثيرة على ذلك . والأهم أنه على الرغم من حصار مطبق تواجهه الثقافة الفلسطينية ، والمبدع الفلسطيني خاصة ، في العواصم الثقافية الكبرى ، بما فيها موسكو ، ممن يوالون ويؤيدون السردية الإسرائيلية ، إلا أننا نقدم انتصارات كبرى ، طالما نقدم إبداعاً جمالياً يليق بقضية فلسطين كمشروع جمالي .
واعتبر أن "وسام تشيخوف ، مصدر شرف لي ، وتكريم للثقافة الفلسطينية والغربية ، ولا بد أن هذا سوف يقيض لي العمل أكثر على خلق جسور التلاقح الثقافي بين روسيا ودول التعاون المستقلة من جهة ، وفلسطين والعالم العربي من جهة أخرى ، وهذا امتداد لما كنت أقوم به على الصعيد الشخصي ، لكن الأمر هذه المرة مختلف طالما أنني أمتلك إمكانية العمل من داخل المؤسسة الإبداعية الروسية العريقة".
وقال: "ثمة اتفاق على أنني في ممارساتي الشعرية ، ونتاجاتي ومشاركاتي في المؤتمرات والمحاضرات والحوارات التي شاركت فيها ، قدمت القضية الجمالية بوصفها مشروعاً جمالياً قائماً على التعايش والسلام في الأراضي الفلسطينية المقدسة ، في مواجهة شرعة القتل والإرهاب والإقتلاع التي تنتهجها دولة الإحتلال . وطالما أن فلسطين كانت عبر تاريخها مهد الديانات السماوية ، ما قيض لها أن تبقى في الضمير الإنساني مكاناً مقدساً تتعايش فيه الديانات ، وتتجاور فيها المقدسات ، وتمارس فيها حرية العبادات ، فإن حلول الإسرائيلي ، حفيد قتلة الأنبياء وراجمي المرسلين ، الذي يواصل مهنته الإرهابية بتهويد القدس واقتحام المسجد الأقصى ومنع المصلين من ممارسة حرياتهم الدينية ، طارئ على هذه الأرض المقدسة لأن وجوده وممارساته تتناقض والروح الإنساني المقدس التي يحملها الزمان والمكان المقدسيين ".
الفلسطيني وريث البعدين
واعتبر أن "الفلسطيني ، وريث هذين البعدين ، أقصد الزمان والمكان المقدسين".، قدم ملحمة الدفاع ، بمسلميه ومسيحييه ، عن الروحي الإنساني المقدس بالنسبة للبشرية جمعاء على هذه الأرض المقدسة ، ودفاع المسلم إلى جانب المسيحي ضد اقتحام كنيسة المهد عام ٢٠٠٢ ، ودفاع المسيحي والمسلم عن المسجد الأقصى والذي جسد انتصار يوليو هذا العام ، وأجبر اسرائيل على التراجع عن إجراءاتها في الحرم القدسي ، وكذلك رفع الأذان في كنائس فلسطين كلها رداً على قرار اسرائيل بمنع الأذان في المساجد ، مثالاً لا حصراً ، دليل على لحمة الفلسطينيين في الدفاع عن مقدساتهم وعن المقدس الإنساني كله . وكأن الفلسطيني ، منذ مطلع القرن العشرين ، يكتب بدرب آلامه في مواجهة ارهاب العصابات والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ويؤرخ لتراجيدياه بأبعادها الإنسانية الكبرى ، لتصبح متن التراجيدي الإنساني العاجز".
عن دعم الفلسطيني في دفاعه عن المقدس الفلسطيني - الإنساني في مواجهة المحتل الإسرائيلي الطارئ . وإذ نقدم الرواية الفلسطينية جمالياً في مواجهة السردية الإسرائيلية المزيفة والمضلِّلة ، لا بد يتحول اللجوء والشتات والمخيم والمجازر والاعتقالات والسجون والمطاردات في العواصم والمدن الشقيقة والصديقة وغيرها ، بما يحمله كل هذا من تراجيديات ، فصولاً في التراجيديا الإنسانية ، بما تحيل إليه من معان وقيم القبض على جمرة الصمود والمواجهة والحفاظ على الإنساني فينا .وطالما اعتبر نقاد مصريون وعرب كبار بأنني في ديواني الأخير وصايا فوزية الحسن أعدت ألق فعل المقاومة إلى الشعر ، فلأنني أرخت لهذه التراجيديات ونقلتها ببطولات الفلسطيني العادي إلى بلاغة التراجيديات الإنسانية الكبرى .
يشار إلى أن الشاعر عبدالله عيسى قد حصل على جوائز عربية ودولية كثيرة من أبرزها وسام الإستحقاق في الثقافة والعلوم والفنون - مستوى الإبتكار والذي قلده إياه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وشخصية العام 2015 في حوار الحضارات والتي قدمها له صندوق الأدب العالمي؛ وقد صدر له عددًا من الدواوين الشعرية والمؤلفات والأبحاث النقدية بطبعات مختلفة،
من أبرزها " آلاء، موتى يعدون الجنازة، حبر سماء أولى، قيامة الأسوار، رعاة السماء رعاة الدفلى، وصايا فوزية الحسن العشر "، وفي النقد "رؤيا، والكلمة والروح في الشعرية المعاصرة "، وأخرج وأنتج العديد من الأفلام الوثائقية والروائية الطويلة.