/مقالات/ عرض الخبر

بين جريمة قصرة و"التمكين": هل يترك أهل الضفة وليمة للمستوطنين؟!

2017/12/04 الساعة 09:15 ص
مستوطنون صهاينة
مستوطنون صهاينة

وكالة القدس للأنباء – خاص

مقال بقلم / راغدة عسيران

نفّذ المستوطنون جريمة بشعة بحق المواطنين في الضفة الغربية المحتلة مرة أخرى، بقتل المزارع محمود زعل عودة أثناء عمله في أرضه في بلدة قصرة، جنوب نابلس. لم يكتف المستوطنون بقتل المواطن الفلسطيني، بل خطف جيش الاحتلال جثة الشهيد وهاجم المواطنين الذين أقاموا صلاة الجمعة على أرضه، تعبيرا عن تمسكهم بالأرض، كما تمسّك الشهيد بأرضه. حاصر جيش العدو المواطنين وبدأ بإطلاق الرصاص والقنابل الصوتية والمسيلة للدموع عليهم، بالتزامن مع هجوم المستوطنين، المدججين بالسلاح، على أراضي البلدة، ما تسبب بجرح ما يقارب 58 مواطنا.  منع جيش العدو وذراعه الاستيطاني سيارات الإسعاف من الاقتراب من المصابين واستمرت المواجهة لساعات بين أبناء البلدة وجوارها من جهة وقطعان المستوطنين وجيشهم من جهة أخرى.

صرّح أهل البلدة للصحافة أن أراضي البلدة مستهدفة منذ زمن من قبل المستوطنات الصهيونية التي تحاصر القرية، من الشرق وجنوب الشرق والجنوب.  فقد شهدت بلدة قصرة عدة اعتداءات بعد انتفاضة الأقصى، لا سيما عام 2014، حيث دمّر المستوطنون، تحت حماية جيشهم، أكثر من 2800 شجرة زيتون وأصيب أكثر من 400 مواطن بإصابات مختلفة.  وعام 2011، استشهد عصام كمال بدران برصاص جيش العدو أثناء مواجهات مع المستوطنين بعد اعتدائهم على الأرض واقتلاعهم أشجار الزيتون؛ وفي العام نفسه، قام المستوطنون بإحراق الطابق الأرضي من مسجد النورين في البلدة.

رغم هذه الاعتداءات المتكررة، لم يستسلم أهل البلدة.  في رسالة كتبها الأسير عبد العظيم عبد الحق حسن رسالة من سجن نفحة (بتاريخ 1 آذار 2013)، يحيي صمود أهل بلدته قصرة، كمساهمة في "معركة التصدي لقطعان المستوطنين والجنود المارقين"، خصّصها لتوجيه "التحية إلى تلك التي رمت بكفيها الحجارة على الجنود وسياراتهم فأثلجت صدري، وجعلتني أشعر بالعزة والشموخ حين خرجت عن الصمت القاتل وصدحت بصوت الحق الفلسطيني العربي، تزمجر بأننا باقون فوق أرضنا ما بقيت فينا الحياة، إلى هذه التي صنعت  وقفة عز في قصرة لا تنسى، فأعطتني بوقفة عزها وأنا في السجن جرعة حرية".  وكان الأسير عبد العظيم عبد الحق قد اعتقل للمرة الثالثة، في بداية انتفاضة الأقصى (11/2000) وحكم عليه بالسجن لمدة 33 عاماً.

بلدة قصرة في جنوب نابلس محاصرة بالمستوطنات، كما هو حال العشرات من القرى والبلدات في الضفة الغربية، حيث يتقاسم جيش العدو ومستوطنوه مهمة القضاء على الوجود الفلسطيني.  قبل سنتين، شنّ قطعان المستوطنين هجوماً على منزل عائلة دوابشة، وتسببوا بحرق الأبوين سعد وريهام دوابشة والرضيع علي، ولم ينج من الجريمة إلا الطفل أحمد، الذي أصيب بجروح بالغة.  بين الجريمتين، جرائم أخرى متلاحقة نفذها المستوطنون عن طريق دهس المواطنين على طرقات الضفة الغربية وإطلاق النار عليهم.  قبل شهر، دهس مستوطن الطفل يامن مصطفى صوف (8 سنوات) من بلدة حارس، غرب سلفيت، وقبلها، أصيبت الطفلة دينا الجعبري في الخامسة من عمرها بجروح خطيرة جراء دهسها من قبل مستوطنين من "كريات أربع".  وفي شهر آب 2017، استشهدت الطفلة أسيل طارق ابو عون البالغة من العمر 8 سنوات، بعد دهسها من قبل مستوطن في منطقة فروش بيت دجن.  وفي شهر تموز 2017، استشهد عمر عيسى (37 عاما) من بلدة الخضر غرب مدينة بيت لحم، بعد دهسه على الطريق الاستيطاني رقم 60.  وفي نيسان 2016، دهس مستوطن الطفل يوسف حمدان حنون، البالغ من العمر ستة سنوات، شرق قلقيلية، وفي آب 2016، دهس مستوطن ثلاثة أطفال في بلدة سلوان، بالقدس المحتلة، وفي أيار 2016، أقدم مستوطن على دهس الطفل آدم حمامرة (5 أعوام) في قرية حوسان قضاء بيت لحم.

لائحة جرائم المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة، بما فيها القدس، لا تنتهي، في الوقت الذي تغرق فيه السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية في وحل مطاردة المجاهدين والمناضلين الفلسطينيين، ومنهم الأسرى المحررين، أي مطاردة كل من يستطيع التصدي لهذه الهجمة الاستيطانية غير المسبوقة منذ احتلال الضفة الغربية.  لقد أثبتت بداية انتفاضة القدس، في شهر تشرين الأول 2015، أن العمليات الجريئة التي نفذها المجاهدون ضد قوات الاحتلال وذراعها الاستيطاني قادرة على لجم هذه الاعتداءات المتكررة، ولكن التنسيق الأمني بين أجهزة السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال جعل من المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية، بكل مكوناته، فريسة مستباحة، وكأن السلطة تقدّمه قرباناً للمستعمرين الصهاينة وأعوانهم في "المجتمع الدولي" لإثبات قدرتها على التحكّم به وتمكين سلطتها في قراه ومخيماته وبلداته ومدنه، وفي جامعاته ومدارسه، وكل مرافق حياته.

تعتبر السلطة الفلسطينية، التي تتحكّم بأجزاء من الضفة الغربية، أنها متمكِّنة من أهل الضفة الغربية. فتعتقل من يواجه المحتل، أو حتى من يفكر في مواجهته، وتصادر سلاحه بحجة حصر "السلاح الشرعي" بين أيديها، في وقت يسلّح فيه العدو مستوطنيه ويزجهم في المعركة ضد الفلسطينيين، التي جرّدتهم السلطة من كافة وسائل المقاومة، من الكلمة الحرة إلى التحرك الشعبي الفعلي والضاغط، ومن السلاح، وحتى السكاكين التي سحبت من شنط التلاميذ.

اليوم، في مسألة المصالحة والحوار حول مصير قطاع غزة، ابتدعت السلطة مصطلح "التمكين" وهو المصطلح الشائع لدى منظمات غير الحكومية التي تنشط لـ"تمكين" النساء والشباب، بعيداً عن مواجهة الاحتلال وبغض النظر عن امكاناته التدميرية.  تريد السلطة "تمكين" حكومتها من قطاع غزة كما "مكّنتها" في الضفة الغربية، أي بتجريدها من وسائل حمايتها الذاتية، في الوقت الذي يطالب أهل الضفة الغربية المحتلة، لا سيما في القدس، تمكينهم في مواجهة الاحتلال، ليس بالشعارات والشكاوى الى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، والعواصم العربية، بل بالسلاح والكلمة الحرة وحرية الاشتباك مع قوات الاحتلال ومستوطنيه.

في وقفة تضامنية مع أهل بلدة قصرة، قال القيادي في حركة الجهاد الإسلامي، الشيخ خالد البطش أن "تمكين المقاومة في الضفة الغربية سيحمي آل عودة في قصرة، وسيحمي آل دوابشة من الحرق، ولن يكرر مأساة الشهيد أبو خضير" لأن المقاومة "قادرة على حماية شعبنا" وتابع متسائلاً: "أين هو السلاح الشرعي في الضفة؟  ولمَ لم يحمي الناس في كروم الزيتون ومساجدهم من المستوطنين؟".

في الوقت الذي يتصدى فيه أهل بلدة قصرة لقطعان المستوطنين وجنودهم، بأيديهم وحجاراتهم، لم تتحرك الأجهزة الأمنية في الضفة الغربية لحماية المواطنين، في قصرة وغيرها من البلدات، ولم تدافع عن أرضهم، بل أمعنت بملاحقة كل من يستطيع مقاومة المحتلين أو يفكر بذلك، وزجتهم في سجونها.  وصل بها الأمر الى حماية المستوطنين عند اقتحامهم لقبر يوسف في نابلس، بالتنسيق مع جيش العدو.  فهي بذلك تثبت ما تعنيه بـ"التمكين"، أي تجريد الشعب الفلسطيني من كافة وسائل الدفاع عن النفس، وتقديمه قرباناً للاستعمار الصهيوني ومستوطنيه، ولأعوانه في العالم، من أجل كسب تأييد ودعم القوى الساعية إلى تصفية القضية الفلسطينية.

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/118989

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا