قائمة الموقع

مصالحة فلسطينية تتخبط

2017-11-30T12:33:59+02:00
المصالحة الفلسطينية

عاد ممثلو الفصائل الفلسطينية من القاهرة إلى مواقعهم في الوطن والشتات بعد جولة المفاوضات الأخيرة لتكريس المصالحة من دون أن يعززوا الأمل لدى جماهيرهم بقرب تحقيقها. بل إن الآمال التي رافقت الإعلان السابق في القاهرة عن التفاهم على تحقيق اتفاقيات القاهرة للعام 2011 تراجعت بعد أن أظهرت الوقائع على الأرض أن الفارق كبير بين الأقوال والأفعال.

يمكن القول إن من قال إن البيان الختامي، الذي صدر عن هذه الاجتماعات والذي لم يتضمن فعلياً أية تدابير تنفيذية وبقي في خانة «إعلان نوايا»، كان «بديلاً عن إعلان الفشل» أكثر من عبر عن حقيقة الموقف.

ومن الواضح أنه لاعتبارات مختلفة، بعضها داخلي فلسطيني وآخر مصري، كان إعلان الفشل ممنوعاً رغم كل الإشارات الدالة عليه. فطرفا الانقسام الفلسطيني، حماس في غزة وفتح في رام الله، يتبادلان الاتهامات بشأن من يعرقل تنفيذ المصالحة وكل منهما يريد أن يظهر أمام الشارع الفلسطيني وكأنه من بذل كل جهد وقدم كل تنازل من أجل تنفيذها.

وبديهي أن الطرفين يدركان أن الانقسام كان صفحة سوداء في تاريخ الشعب الفلسطيني أضر بقضيته ومزق جانباً من نسيجه وهويته الوطنية. ولكن الرغبة في إنهاء الانقسام لم ترتق لدى الطرفين، على الأقل في نظر بعضهما، إلى مستوى تحقيق الأمل بطي هذه الصفحة وإعادة وضع القطار الوطني على سكته الصحيحة.

وكان جليا قبل الوصول إلى القاهرة أن الاتفاق الناجز غير متوفر في الظروف الراهنة، خصوصاً وأن كل طرف عبر عن رؤيته البرنامجية المتناقضة قبل الوصول إلى هناك. ولخصت السلطة الفلسطينية في رام الله موقفها من مؤشرات النجاح بإعلان أن مقياسها للنجاح هو «تمكين» حكومة الوفاق برئاسة رامي الحمد الله من أداء عملها. ولخصت حركة حماس النجاح بتسلم هذه الحكومة مقاليد الأمور في القطاع ورفع العقوبات التي فرضت على القطاع. وبين هذا وذاك كانت نقطة الخلاف الأشد جوهرية هي ما تعرف بـ"سلاح المقاومة".

ورغم وجود عقبات أخرى فعلية غير "سلاح المقاومة" إلا أن كل تلك العقبات، وبينها مسألة موظفي حماس وعدد من القوانين والإجراءات التي اتخذتها سلطة حماس وبينها مسألة توزيع الأراضي الحكومية، ينظر إليها بأنها قابلة للحل. ولهذا السبب سعى الوسيط المصري منذ بداية التفاهم الجديد على تحقيق المصالحة إلى إرجاء البحث في المسألة الأمنية وخصوصاً "سلاح المقاومة".

وقد سعت حركة حماس إلى وضع مسألة سلاح المقاومة ضمن رؤية أوسع تتضمن إصلاح "منظمة التحرير" وترتيب البيت الفلسطيني وبلورة برنامج سياسي موحد ومرجعية سياسية عليا. وطبيعي أن السلطة ترى في رؤية حماس هذه نسفاً للواقع القائم ومحاولة لتغيير الصورة المراد تثبيتها وهي أن السلطة في رام الله هي الشرعية وأن السلطة في غزة هي اللاشرعية. وهذا ما لا تريده حماس لأنه يمس صميم وجودها ويشل كل ما حققته من «إنجازات» خاصة بها طوال العقد الماضي.

ويمكن القول إن السجال حول "سلاح المقاومة"، على جوهريته، يجري بخفر حتى الآن من دون اتهامات بالتخوين والتكفير. وتدرك حماس أن أحد أسباب قوتها على الصعيد الفلسطيني استمرار حملها للسلاح ورفعها راية المقاومة في مواجهة مشروع التسوية. أما فتح التي لها تاريخ طويل في المقاومة وقادت الفعل الوطني الفلسطيني لعقود لا تريد أن تظهر وكأنها عدو للمقاومة وتريد سحب سلاحها. ولكنها بالمقابل لا تريد أن يكون هناك سلاح غير سلاح السلطة الفلسطينية التي سعت في السنوات الأخيرة، وخصوصا بعد انتفاضة الأقصى، لترسيخ مبدأ سلطة واحدة وسلاح واحد.

وكان واضحا أنه ليس لدى الوسيط المصري ولا لدى الفصائل الفلسطينية حلول متوفرة تجسر الموقف المتناقض للسلطتين. وما تميل هذه الجهة لتبنيه حول هذه المسألة لا يروق للجهة الأخرى ولا تقبل به. وهذا ما قاد إلى موقفين متناقضين بوضوح: حماس تعلن أنها سلمت الوزارات والدوائر الحكومية لحكومة الوفاق وأنها لم تعد سلطة حكم. وفتح تعلن أن حكومة الوفاق تسلمت الوزارات ولكن شكلياً وأن الحاكم الفعلي لا يزال حماس عبر موظفيها. بل إن وزير الشؤون المدنية في حكومة الوفاق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، حسين الشيخ أعلن أن حكومة الوفاق لم تتسلم سوى 5 في المئة من الصلاحيات في غزة.

وبعيدا عن السجالات السياسية بين طرفي الانقسام ومناصريهما فإن الشارع الفلسطيني في غزة يكاد ينفجر من الإحباط. فالأوضاع الاقتصادية تتدهور والخناق يضيق على المرضى والطلبة وأصحاب المصالح ممن لا يرون أملا في أفق جديد. فحل اللجنة الإدارية لم يلغ العقوبات التي فرضت على موظفي القطاع والتي اقتطعت حوالي ثلث الراتب ولم يعد إلى ما كانت عليه لا ميزانيات الصحة والتحويلات المرضية ولا ثلث الكهرباء عبر الخط «الإسرائيلي». كما أن معبر رفح، ورغم تسلمه من أجهزة سلطة رام الله، لم يغير طريقة تعامله وبقي مغلقا كما كان تقريباً.

صحيح أن الوسيط المصري يواصل ضغطه على الطرفين لإبقاء الأمل بإمكانية تجاوز العقبات وأرسل إلى القطاع وفدا أمنيا لتسهيل «تمكين» حكومة الوفاق إلا أن فرص نجاحه محدودة. يقول البعض أن المصريين نجحوا حتى الآن في دفع الأطراف الفلسطينية نحو تجنب إعلان الفشل وهذا محمود. ولكن البعض الآخر يقول إن عدم إحراز تقدم في حل القضايا المعيشية لسكان القطاع كفيل بأن يفجر الواقع المعاش هناك في وجه كل من حماس وفتح. وهذا يعني أن الهدنة القائمة حالياً بين الطرفين يمكن أن تنهار بأسرع مما يتوقعون.

إن تضمين البيان الختامي عبارات من قبيل التأكيد على الوحدة الوطنية وعلى أسس حل المشكلات الداخلية وإعلان موعد نهائي لإجراء انتخابات عامة لا يضمن عدم انفجار الموقف. وهناك اعتقاد أنه إذا انفجر الوضع في القطاع هذه المرة فسوف يكون أشد خطراً مما حدث في الماضي. ولذلك يحذر عقلاء بأنه إذا لم يكن بالمستطاع حل كل الخلافات دفعة واحدة فإن من الواجب التدرج في حل ما هو ممكن منها وعدم ربط الأمور ببعضها بشكل تام.

حلمي موسى / الخليج الاماراتية

 

اخبار ذات صلة