وكالة القدس للأنباء – متابعة
مقال بقلم / عاموس يادلين ويوئيل جوجنسكي
(المضمون: هل سيخرج الامير محمد بن سلمان من القصة كزعيم بلا منازع للمملكة أم ربما تواجه المملكة عصرا من عدم الاستقرار لا يمكن لنا أن نتوقع نهايته؟ إن على محافل التقدير والسياسة في الدول المتأثرة بمكانة المملكة السعودية، بما فيها اسرائيل، من السلامة بمكان أن توثق المتابعة للاستقرار في المملكة وأن تُعد الخطط الطارئة في حالة اهتزازها - المصدر).
من شأن الهزة الداخلية التي تمر مؤخرا بالسعودية، والتي تتمثل باعتقالات غير مسبوقة لمئات كبار المسؤولين بمن فيهم من شخصيات اساسية في الاقتصاد، في الاعلام وفي السياسة، وذلك زعما باسم مكافحة الفساد، أن تتبين كتطور على مستوى تاريخي. ففي الرابع من تشرين الثاني تشكلت بمرسوم ملكي "اللجنة العليا لمكافحة الفساد" برئاسة ولي العهد محمد بن سلمان، والتي خولت بالتحقيق مع المشبوهين، اعتقالهم ومنع خروجهم من الدولة، وتجميد ممتلكاتهم. اعتقل في هذه الموجة المئات، بينهم 11 أمير من العائلة المالكة، اربعة وزراء حاليون، وزراء سابقون ورجال اعمال. وبين المعتقلين الملياردير الوليد بن طلال، وهو ناقد معروف للأسرة المالكة. وفي اليوم ذاته تحطمت في ظرف غامضة مروحية تقل مسؤولين سعوديين، على رأسهم منصور بن مقرن، الخصم المعلن لابن سلمان، منذ أزيح أبوه عن منصب ولي العهد. وليس معروفا الآن ايضا ماذا سيكون مصير الامير عبد العزيز، إبن الملك فهد، الذي ينتقد هو الآخر ابن سلمان بحدة.
يرتبط التطور الاهم في اطار خطوات ابن سلمان بسيطرته على مركز قوة أمني آخر مع ازاحة متعب بن عبد الله، قائد الحرس الوطني. ويدور الحديث عن قوة عسكرية مجهزة ومدربة، تقوم على أساس الولاء القبلي ومهامها الاصلية كانت الحفاظ على استقرار الحكم والتوازن مع قوة الجيش النظامي، الذي يعد نحو 200 ألف رجل. وينتشر الحرس الوطني، الذي يضم نحو 100 ألف جندي، على طول الحدود، ولا سيما الحدود مع اليمن، في العاصمة الرياض وفي المدينتين المقدستين
مكة والمدينة. وتوجد قوة طليعية له في البحرين حتى الآن منذ 2011، لحماية حكم أسرة آل خليفة السنية في الدولة الجزيرة هذه التي سكانها شيعة في معظمهم.
تستهدف موجة الاعتقالات، كما يبدو، ابعاد المعارضين بالفعل أو بالقوة، عن طريق محمد بن سلمان نحو التاج. اضافة الى ذلك، فقد فتح ولي العهد الجبهة الداخلية في وقت تشارك فيه السعودية في عدد من الجبهات الخارجية في الشرق الاوسط – حيال ايران في اليمن، حيال حزب الله في لبنان وحيال قطر – إن هذا الخليط بين المواجهات الخارجية والصراعات السياسية الداخلية يستدعي مراجعة دائمة للتطورات، الكفيلة بالمس باستقرار المملكة، اضافة الى بلورة رد مناسب على عدم الاستقرار هذا.
لقد بدأ التغيير في موازين القوى السياسي الذي يسعى ابن سلمان الى احداثه بالتدريج منذ 2015، حين عينه أبوه لتبؤ المناصب التالية: نائب ولي العهد، وزير الدفاع والمسؤول عن مجلس الاقتصاد والتنمية. ورُفع ابن سلمان في حزيران 2017 لمنصب ولي العهد، وهو يواصل تثبيت مكانته، بدعم من أبيه. وأدت الخصومة بين الأميرين المتصدرين للصراع على التاج، محمد بن سلمان ومحمد بن نايف، في السنتين الاخيرتين، الى تخوف من صراع داخل القصر يعرض الاستقرار للخطر. وفي هذه الاثناء، أزيح ابن نايف، الذي كان مسؤولا عن قوات الامن الداخلي في المملكة، عن منصبه كولي للعهد ووزير الداخلية في حزيران 2017 وعلم أنه وضع قيد الاقامة الجبرية مع مقربيه.
لقد كانت وحدة الصف بين الامراء الكبار مصدر قوة للمملكة على مدى السنين. وقد ثارت غير مرة صراعات قوى بين أبناء ابن سعود للأمهات المختلفات. وعلى هذه الخلفية نشأت معسكرات سياسية تحددت وفقا لانتمائها الأسري. ولكن هذه الصراعات دارت خلف الابواب الموصدة وكان هناك عمليا ميزان قوى في العائلة المالكة، حيث يكون الملك بمكانة الاول بين المتساوين. كان واضحا لكل الأمراء بأن قوتهم تكمن في وحدتهم. على مدى السنين وحفاظا على التوازن بين فروع الأسرة، وزع الملوك بين المعسكرات المناصب العليا، بما في ذلك السيطرة على قوات الامن. أما الآن فان ابن سلمان يسيطر على ثلاثة مراكز القوة الامنية المركزية: الجيش النظامي، قوات الامن الداخلي والحرس الوطني. وعندما سيتوج ابن سلمان ملكا ستكون هذه هي المرة الاولى التي ينتقل فيها التاج الى جيل احفاد ابن سعود، مؤسس المملكة. هذا الانتقال لم يرتب وفقا لاجراء في اطاره انتقل الحكم في جيل أبناء ابن سعود، وعليه، فقد كان مصدر توتر واضح ومواجهات بين الأمراء.
تُعد خطوات ابن سلمان بقدر أقل كصراع أصيل ضد الفساد، وبقدر أكبر كمحاولة من جانبه لتثبيت قوته ومكانته – ناهيك عن أن نمط حياته الاستعراضي نفسه لم يتغير (نيويورك تايمز تحدثت عن أن ابن سلمان اشترى في 2016 يخت فاخر بقيمة 500 مليون دولار). وعليه، فانه يبدو أن ابن سلمان عمل بهدف منع انتقاده من جهة اجنحة الخصوم في الأسرة، ومنع تبلور معارضة لحكمه. ويحتمل أن تعكس خطواته تطلعا لنقل التاج اليه على عجل. يشار الى أنه في اعقاب الجمع السريع للصلاحيات في يديه في السنوات الاخيرة، انطلق أمراء كبار في المملكة منذ الآن بدعوة علنية نادرة للتغيير، باعرابهم عن عدم الثقة به وبأبيه الملك المريض.
مع أن ابن سلمان يتمتع بقدر ما يمكن أن نقدر في المملكة المطلقة، بتأييد في اوساط الشباب – نحو نصف السكان في السعودية هم دون سن الـ 25 – ممن يتطلعون الى الاصلاحات في النظام الاجتماعي المحافظ واقتلاع الفساد. إلا أنه تعاظمت مؤخرا الشكوك في قدرته على تنفيذ خطته العلم التي تسمى "رؤيا 2030"، بالوتيرة والنطاق اللذين أعلن عنهما. وذلك في ضوء التقارير عن احداث تغييرات ذات مغزى في الخطة وتأجيل بعض من اهدافها. وفي هذه الاثناء، يتعاظم احباط الجمهور، الذي كان معتادا على الوفرة التي مصدرها في مداخيل النفط، عقب الانخفاض في الرواتب، التقليص في الدعم الحكومي والارتفاع في غلاء المعيشة، على خلفية انخفاض اسعار النفط في السنوات الاخيرة. اذا ما تواصلت هذه الميول، فمن شأن ابن سلمان أن يخسر التأييد له من جانب شباب المملكة. ومن شأن موجة الاعتقالات والخوف من عدم الاستقرار السياسي أن يضع المصاعب أمام المملكة في تجنيد الاموال الاجنبية، الضرورية لها، من اجل تنفيذ المخططات الطموحة التي أعلن عنها ولي العهد، وابعاد مستثمرين محتملين.
في رد على الوضع في المملكة، في ايلول 2017 استؤنفت في الشبكات الاجتماعية في السعودية الحملة التي تدعو المواطنين الى الخروج والاحجاج، وذلك ايضا على خلفية الاضطرابات في اوساط الاقلية الشيعية في المملكة. ففي ايلول اعتقل رجال دين، اكاديميون وصحافيون، بسبب النقد الذي اطلقوه ضد السياسة الاقتصادية لابن سلمان، ضد سلوك الرياض في الازمة مع قطر (التي فاقمت الانقسام بين دول الخليج ولم تحدث تغييرا في سياسة قطر) وبسبب الحرب في اليمن التي شرع ابن سلمان بها وتبدو بعيدة عن الحسم. وفي هذا السياق يذكر أن سلوك ابن سلمان المتشدد، بعد سنوات تميزت فيها سياسة السعودية بضبط النفس والحذر، أثار الخوف حتى في اوساط محافل الاستخبارات الغربية من المخاطر التي قد ينطوي عليها، ضمن امور اخرى، على استقرار المملكة.
يسير ابن سلمان، الذي يحظى باسناد علني من جانب الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بالسعودية نحو حكم فردي مركزي. فالعصر الذي تميز بتوزيع القوة، يبدو أنه بلغ منتهاه، ذلك العهد الذي تميز بالحلول الوسط وبالتكافل بين الامراء، وهكذا ساهم في استقرار المملكة على مدى السنين. لقد تحول الحكم في السعودية الى حد بعيد الى مسرحية رجل واحد، لم يسجل بعد انجازات ذات مغزى، بل ركز على تثبيت مكانته وقوته. إن ابن سلمان، الذي يسعى الى احداث تغييرات ضرورية، وإن كان بشكل متسرع ومفروض، في كل مجالات الحياة في المملكة، ينقطع لهذا الغرض عن تراث عملية اتخاذ القرارات بشكل جماعي ويصطدم ضمن أمور اخرى بالمؤسسة الدينية والنخب الاجتماعية والاقتصادية، التي من غير الواضح على الاطلاق اذا كانت ستقبل إمرته بخنوع. إن نهاية هذه العملية محوطة بالغموض.
لقد تمتعت السعودية باستقرار نسبي حتى في اثناء السنوات الثمانية منذ بدأت الهزة الاقليمية، وإن كان بدا احيانا أن قوتها ونفوذها نالا تقديرا زائدا في اسرائيل. أما اليوم، فتواجه المملكة التحديات في كل بعد ممكن تقريبا. ومن هنا ينبغي فحص مدى التأثير الخارجي المحتمل للازمة الحالية: هل سيعتبر أعداء السعودية التحولات السياسية فيها كلحظة مناسبة لهم لتشديد الضغط عليها؟ هل سيخرج ابن سلمان من القصة كزعيم بلا منازع للمملكة أم ربما تواجه المملكة عصرا من عدم الاستقرار لا يمكن لنا أن نتوقع نهايته؟ إن محافل التقدير والسياسة في الدول المتأثرة بمكانة المملكة السعودية، بما فيها اسرائيل، من السلامة بمكان أن توثق المتابعة للاستقرار في المملكة وأن تُعد الخطط الطارئة في حالة اهتزازها.
المصدر: موقع "نظرة عليا" - 21/11/2017
