لعل أخطر ما تضمنه وعد بلفور ليس فقط أنه أعطى من لا يملك لمن لا يستحق، بل هو اخترع شعباً غير موجود لا في الجغرافيا ولا في التاريخ، وقدّم له أرضاً لشعب آخر هو الشعب الفلسطيني. أي أن الوعد مارَسَ عمليتي تزوير، الأولى إعطاء أرض ليست أرضه، والثانية تشكيل مجموعة بشرية منتشرة في مختلف أصقاع الأرض ومنحها صفة شعب لا يتمتع بأية خصائص لشعب ما موجود على وجه البسيطة.
لقد تم اختلاق شيء اسمه الشعب اليهودي من أجل تمكينه من بناء دولة، لأن وجود الشعب هو ركن أساسي لا بد منه لقيام الدولة، ويفترض وفقاً لعلم الاجتماع والسياسة. فالشعب هو مجموعة بشرية تعيش في إطار واحد من الثقافة والعادات والتقاليد واللغة والدين وغيرها من العوامل، وهو ما لا ينطبق على شيء اسمه الشعب اليهودي الذي تمت لملمته من مختلف بقاع الدنيا، ومن مختلف الانتماءات والسلالات واللغات، بزعم الانتماء للدين اليهودي فقط، وهو أمر مشكوك في صحته أصلاً، ولا صحة البتة في انتمائه إلى فلسطين.
بعد حوالي سبعين عاماً على احتلال فلسطين، لم يتم العثور رغم الحفريات التي تُجرى على قدم وساق وعمليات التنقيب التي شملت كل أرض فلسطين، فوقها وتحتها، ما يدل على علاقة لليهود بهذه الأرض.
لقد تم اختراع هذا الشعب كما تم اختراع وطن له. وقد فند البروفيسور اليهودي شلومو ساند هذه الفرية - الاختراع، إذ تبرأ من أسطورة «الشعب اليهودي» و«أرض إسرائيل». وفي كتابه «اختراع الشعب اليهودي»، يتساءل «هل يوجد شعب يهودي حقاً؟».. ذلك يتطلب مقومات عرقية وقومية كافية كي يوجد شعب يهودي، وهو لم يجدها. ثم يقرر بأن «معظم اليهود في «إسرائيل» لا علاقة لهم بأرض فلسطين»، فكيف تُعطى أرض لشعب آخر لا علاقة له بها؟!
وكما فتح ساند فجوة كبيرة في أسطورة «الشعب اليهودي» و«أرض الميعاد» وعدم أحقية اليهود بفلسطين، فهو يؤكد أنه «لا وجود لشعب يهودي له دولة، لأن اليهودية دين وليست أمة»، وكثير من المؤرخين الصهاينة حولوا "العهد القديم" إلى كتاب يحتوي على قصص وحكايات تروج لأسطورة «الشعب اليهودي المختار»، وأباطيل تهجير اليهود من فلسطين وتشتيتهم في القرن الأول الميلادي.
لم يكن البروفيسور ساند وحده من خلخل أساطير الشعب اليهودي و«الأرض الموعودة»، فهناك غيره من المؤرخين اليهود الذين رفضوا كل ما قامت عليه «إسرائيل»، ومن بينهم البروفيسور إيلان بابيه الذي يعتبر «إسرائيل» أبشع نظام عنصري عرفه التاريخ، وأن الاحتلال «الإسرائيلي» للأراضي الفلسطينية هو "أفظع احتلال عرفه التاريخ الحديث".
يبقى أن وعد بلفور هو أكبر عملية تزوير للتاريخ والجغرافيا، وأكبر جريمة ارتكبت في العصر الحديث بحق أي شعب من شعوب الأرض.
إفتتاحية صحيفة الخليج الاماراتية