تمر اليوم الذكرى السادسة عشرة للعملية النوعية لاغتيال الوزير الصهيوني، رحبعام زئيفي، التي نفذتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتعتبر أكبر عملية اغتيال ينفذها فصيل فلسطيني رداً على اغتيال الاحتلال "الإسرائيلي" الأمين العام للجبهة، أبو علي مصطفى.
ورغم مرور كل هذه السنوات، إلا أن هذا الاغتيال ما زال يُشكل نقطة بارزة في التصدي للاحتلال، على الرغم من أن الجبهة الشعبية ما زالت تدفع ثمن العملية الفدائية حتى اليوم، عبر اعتقال أمينها العام أحمد سعدات وقياداتها والمؤثرين في الجبهة، في أحكام قطعية عالية أو إدارية تعسفية لا تنتهي إلا لتبدأ من جديد، إذ يعتقل الاحتلال نحو 40 من قيادات الجبهة الشعبية في أحكام إدارية (بلا تهمة) يتم تجديدها بشكل دائم، فضلاً عن تفكيك كل محاولات إعادة بناء التنظيم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
وشَكَلَ اغتيال زئيفي، الجنرال السابق في جيش الاحتلال، والوزير الصهيوني الذي دعا إلى سياسة "الترانسفير" ضد الفلسطينيين وأحد أهم مؤسسي دولة العدو، ضربة كبيرة لدولة الاحتلال، التي لم تتخيل يوماً أن فصيلاً فلسطينياً سيتجاوز التهديد إلى الرد المباشر واغتيال أبرز جنرالاتها رداً على اغتيال أبو علي مصطفى في مكتبه في رام الله عبر صواريخ موجهة أصابت رأسه بشكل مباشر وهو خلف مكتبه في 27 أغسطس/آب 2001، ليأتي الثأر سريعاً في 17 أكتوبر/تشرين الأول في العام ذاته باغتيال زئيفي في فندق "ريجنسي" في القدس المحتلة، باستخدام مسدس كاتم للصوت.
وترجم اغتيال زئيفي كلمات أحمد سعدات في حفل تأبين أبو علي مصطفى في سرية رام الله، حين قال "قسماً يا رمز عزتنا، الرأس بالرأس، والعين بالعين"، لتتم بعد اغتيال زئيفي ملاحقة السلطة الفلسطينية لسعدات والخلية المنفذة، قبل اعتقالهم لاحقاً لدى قوات العدو الصهيوني في 14 مارس/آذار 2006 بعد اقتحام سجن أريحا شرقي الضفة المحتلة.
وأدرك أبو علي مصطفى أن "إسرائيل" قد بدأت فعلياً باغتيال رؤوس التنظيمات الفلسطينية، ولم تعد تكتفي بالقيادات الميدانية. وكانت ذروة غضبه حين أقدم الاحتلال على اغتيال القياديين في حركة "حماس"، جمال سليم وجمال منصور، عبر صواريخ موجهة من طوافات "الأباتشي" في 31 يوليو/تموز 2001. حينها قال أبو علي مصطفى للمقربين منه "بدأت عملية تصفية رؤوس الشعب الفلسطيني، وليس الكوادر الميدانية فقط".
عُرف أبو علي مصطفى بإجراءاته الحذرة في التحرك، إذ كان يتحرك عبر سيارة "مشطوبة"، أي لا تحمل ترخيصاً ولا تأميناً، وتحمل رقماً "إسرائيلياً"، مفضلاً التحرك بها وعدم استخدام سيارته الفخمة التي وضعتها منظمة التحرير الفلسطينية تحت تصرفه حين عاد إلى أراضي السلطة الفلسطينية في العام 1999، ولم يتمتع ببطاقة الرجل المهم مثل غالبية قيادات الفصائل الفلسطينية. وحين عاد إلى أرض الوطن، قال أبو علي مصطفى كلمته الشهيرة "لقد عدنا لنقاوم وندافع عن شعبنا وحقوقنا، ولم نأت لنساوم".
وكانت هذه التصريحات، التي عكستها الجبهة الشعبية في عملها الميداني المقاوم في أكثر من عملية نوعية، كافية لتضع أمينها العام على لائحة الاغتيالات الإسرائيلية. والوزن التاريخي والوطني لأبو علي مصطفى، جعل الرد يأتي عبر اغتيال شخصية "إسرائيلية" وازنة في دولة العدو، والتي ما زالت تفاصيلها مجهولة حتى الآن، إذ رفضت الخلية التي تم اعتقالها بتهمة اغتيال زئيفي الاعتراف أمام محكمة الاحتلال، وتم الحكم عليها بأحكام عالية.
وشكل اغتيال زئيفي ضربة كبيرة لصورة العدو أمام الفلسطينيين أولاً، الذين رفعت العملية من الروح الوطنية لديهم، بغض النظر عن انتماءاتهم في فلسطين والشتات. وشكلت صدمة للاحتلال، إذ عبّر عنها رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق، آرييل شارون، في ذلك الوقت، حين قال: "كل شيء تغيّر"، مع إطلاقه وابلاً من التهديدات ضد الفلسطينيين ورئيسهم في ذلك الوقت الراحل ياسر عرفات. السلطة الفلسطينية بدورها بدأت تستنكر وتدين عبر وزير إعلامها في ذلك الوقت، ياسر عبد ربه، الذي قال "نأسف لعملية الاغتيال هذه، ونرفض كل أشكال الاغتيال السياسي".
وأضاف "نريد أن نضع حداً لدائرة القتل المفرغة، وإن كان زئيفي قد اتخذ مواقف وسياسات معادية ضد شعبنا، لكننا لا نزال نعتقد أن الاغتيال السياسي ليس هو الرد"، فيما بدأت أجهزة السلطة الأمنية، بأوامر من عرفات، تلاحق بشكل محموم قيادات وعناصر الجبهة الشعبية بحثاً عن الفاعلين.
وفي ذلك الحين، "صرح المتحدث باسم رئيس الوزراء رعنان غيسين، أنه إذا ما أثبت الفلسطينيون بالأدلة اعتقال المطلوبين في اغتيال الوزير "الإسرائيلي" فإن الحظر المفروض على تنقل عرفات سيرفع.
ووضعت "إسرائيل" اعتقال قتلة زئيفي شرطاً لإنهاء حصارها لمقر عرفات في رام الله، الذي أحاطت به الدبابات "الإسرائيلية" منذ أكثر من شهرين". وقال شارون، وقتها، إن "عرفات سيظل حبيساً إلى أن يتم اعتقال منفذي الاغتيال ومدبريه ومحاكمتهم أو تسليمهم لإسرائيل"، حسب ما نشر موقع "الجزيرة نت" في حينه.
وأمضت قيادات الجبهة الشعبية والشوبكي نحو أربع سنوات في سجن أريحا. وقبل أسبوع من اقتحامه من قبل قوات الاحتلال أخبر سعدات زوجته، في آخر زيارة له، إن "أموراً مريبة تحدث في السجن"، وسرعان ما تبين انسحاب عناصر الأمن الأميركي والبريطاني من السجن بهدوء، ليتسنى للاحتلال اقتحامه واعتقال من فيه من قيادات الجبهة الشعبية والشوبكي في 14 مارس/آذار 2006، في حين لم يحرك الأمن الفلسطيني ساكناً، واكتفى بخروج عناصره عراة من المكان أمام عدسات الكاميرات.
وحول ما تردده السلطة الفلسطينية بأن اعتقالها لسعدات ورفاقه حماهم من الاغتيال، تجيب عبلة سعدات "لقد تم اعتقال سعدات عبر الاستدراج من قبل توفيق الطيراوي، وتم اعتقال الشباب الآخرين عبر الملاحقة والاقتحام من قبل السلطة. لم يعطوهم حق الاختيار، وهم الأقدر على تحديد مصيرهم". وبعد اعتقال أعضاء الخلية المتهمة بتنفيذ عملية اغتيال زئيفي، تم الحكم على أعضائها مجدي الريماوي 106 سنوات، وحمدي القرعان 125 سنة، وباسل الأسمر 60 سنة، وأحمد سعدات 30 سنة بتهمة رئاسة تنظيم سياسي محظور، وعاهد أبو غلمة 31 سنة بتهمة قيادة منظمة عسكرية.