بقلم: تيسير الغوطي
يكثر الحديث هذه الأيام عن المصالحة الفلسطينية خاصة جولتها الأخيرة التي بدأت ملامحها في الظهور عقب زيارة وفد حركة حماس إلى القاهرة في شهر سبتمبر الماضي ، ومما لاشك فيه أن المصالحة الفلسطينية بين أطياف الشعب الفلسطيني السياسية خاصة القطبين الرئيسيين فتح وحماس، هدف يرنو إليه ببصره وقلبه وفؤاده كل فلسطيني محب لفلسطين الأرض والشعب والمقدسات ، لما يترتب عليها من فوائد ومكاسب للشعب الفلسطيني تعينه على الاستمرار والثبات على طريق كدحه وجهاده ومقاومته حتى تحقيق الغاية التي يصبو إليها من التحرير والاستقلال والعودة والحرية.
فالمصالحة تحقق للشعب الفلسطيني وحدته الغائبة والمنشودة منذ سنوات وعقود، فهي حجر الأساس في توحيد كافة الجهود والطاقات والإمكانات المبعثرة هناك وهناك، باتجاه الهدف الأساس من التحرير والاستقلال والعودة والحرية, والذي لا يمكن أن يحققه أحد من مكونات الشعب بمفرده ،كما أنها سبب مهم على طريق فك الحصار الظالم خاصة على قطاع غزة , وبالتالي معبر لإعادة وبناء البيوت التي هدمت خلال الحرب الأخيرة والظالمة على قطاع غزة 2014، وسبب في عودة تدفق المساعدات من الدول الصديقة والحليفة والمهتمة بالشأن الفلسطيني, مما ينقذ الكثير من مستوى الفقر والبطالة المرعب الذي وصل إليه كثير من أبناء الشعب الفلسطيني خاصة في قطاع غزة ، فضلا عما يوفره الانفتاح على العالم وحركة التجارة مع الخارج من وظائف عمل وأموال تدار بها عجلة الاقتصاد والحياة الاقتصادية والمعيشية للسكان.
هذه الفوائد المرجوة من المصالحة الفلسطينية يجب أن لا تنسينا المخاطر على الهدف الأساس للشعب الفلسطيني من التحرير والاستقلال والعودة والحرية، والعقبات الكأداء التي قد تتمخض في الطريق نحو ذاك الهدف السامي والجميل، والتي قد تترتب على المصالحة في نسختها الأخيرة، خاصة وأنها تأتي استجابة لإرادات مختلفة ، وكل إرادة تهدف لتحقيق مصالحها هي بالدرجة الأولى ، وليس استجابة لإرادة الفلسطينيين بالتقدم سريعا نحو الهدف الأساس من التحرير والاستقلال والعودة والحرية, واجتماع أو اتفاق الإرادات على إتمام المصالحة الفلسطينية بين القطبين حماس وفتح قد يكون السبب الأساس في إنجاح جولة المصالحة الأخيرة خلافا للجولات السابقة والتي كانت تنتهي إلى الفشل.
فالإرادة الأولى وهي الإرادة الدولية والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية وخلفها القوى الحليفة لها والسائرة في ركبها ، وتهدف بالمقام الأول إلى تهدئة المنطقة بإنهاء القضية الفلسطينية والصراع مع أهم أدواتها الكيان الصهيوني ، بما يضمن الأمن والأمان لهذا الكيان وتحقيق كافة مصالحه وأطماعه ، ومن ثم التوجه لمواجهة الخطر القادم على المنطقة والعالم (حسب رؤيتها ومصالحها)والمتمثل في إيران وسياساتها ومن يقف معها في خندق حلف المقاومة والذي بدأ يتشكل في المنطقة , عبر تكوين حلف مضاد له يشمل كافة حلفائها في المنطقة وفي مقدمتهم الكيان الصهيوني .
والإرادة الثانية هي الإرادة الإقليمية والتي تضم دول الإقليم من الجوار العربي ، والتي ترغب في إنهاء القضية الفلسطينية ولو على حقوق الشعب الفلسطيني وجثث أبنائه، كي تتخلص من الأعباء التي تفرضها أخوة الدين والعروبة والانتماء لدعم الشعب الفلسطيني في جهاده ومقاومته ، وترفع الحرج عنها وعن محاولاتها للتطبيع مع الكيان الصهيوني والتعامل معه في كافة المجالات خاصة الأمنية والعسكرية, وصولا إلى مشاركته في الحلف السابق الإشارة إليه والتي تسعى الولايات المتحدة الأمريكية لإقامته في المنطقة ، خاصة وأن هذه الدول الإقليمية تشارك الولايات المتحدة الرأي في خطورة إيران وسياساتها وحلفها، وأنها العدو الأول لها الذي يجب مواجهته، سواء كان ذلك عن قناعة وتمحيص للأخطار وترتيبها، أو كان إرضاء للكيان الصهيوني لضمان استمرار الدعم الأمريكي للأنظمة القائمة للبقاء على هذه العروش وكراسي الحكم.
والإرادة الثالثة هي الإرادة الفلسطينية بغض النظر عن كونها نابعة من رغبة فلسطينية (خاصة لدى القطبين فتح وحماس) لتحقيق برنامج سياسي فلسطيني موحد في حده الأدنى, لمواجهة الأخطار الكثيرة التي تحدق بفلسطين قضية وشعبا ومقدسات، وإخراج الفلسطينيين من الوضع المأزوم والمنهار على كافة المستويات, والذي وصلوا إليه بسبب السياسات الفجة المترتبة على الانقسام المأساة منذ أكثر من عقد من الزمان ، أم أن هذه الإرادة نابعة من محاولة القطبين الرئيسيين التخلص من مسئولية الأوضاع المتأزمة التي وصل إليها الشعب الفلسطيني وقضية كل في موقع سلطته، وإلقاء مسئولية وسبب ذلك على الطرف الآخر.
عموما المصالحة الفلسطينية خير إذا كانت بهدف تحقيق برنامج سياسي فلسطيني يضمن الحد الأدنى من حقوق الشعب الفلسطيني وهدفه الأساسي في التحرير والاستقلال والعودة والحرية ، وكذا رفع المعاناة عن أبناء الشعب وتخفيف آثار الحصار الظالمة عليه , أما إذا كانت بهدف أن تكون ممرا لاتفاق وصفقة القرن حسب الرؤية الصهيو أمريكية ، أو بهدف تحقيق المحاصصة وتقاسم كعكة السلطة بين القطبين ، أو استسلاما للضغط الإقليمي والمعيشي الذي يدفع بنا للتنازل عن أفكارنا ومبادئنا ومقاومتنا وشعاراتنا نحو التحرير والعودة مقابل الرفاهية الاقتصادية وآلاف الوظائف المدنية والعسكرية لأبناء الحركات المقاومة .... إلخ، فلن تكون المصالحة خيراً لا للشعب الفلسطيني ولا لقضيته الأساسية.
المصدر: صحيفة "الاستقلال"