/مقالات/ عرض الخبر

أخلاق الغرب في فلسطين

2017/09/26 الساعة 10:36 ص
القدس المحتلة والأقصى
القدس المحتلة والأقصى

وكالة القدس للأنباء - متابعة

بقلم: أحمد جابر

لم يُزل الإحتلال من فلسطين، ولم تعرف القضية الفلسطينية حلاً ينهي احتلالها بعد أن زال استعمارها، وبعد قرن من الزمن الممتد من الحرب العالمية الأولى حتى تاريخه، استبدل العالم السياسي اللغة المعتمدة حيال الشعب الفلسطيني مرَّات ومرَّات، لكنه ظلَّ متمسكاً بسياسة منع استقرار هذا الشعب في دولة مجتزأة فوق أرضه، وفي منعه أيضاً من استئناف مسيرة تكونه الاجتماعي من دون انقطاع عاصف، مثلما حدث لدى السماح بإنشاء كيان صهيوني دخيل، فوق تراب الشعب الوطني الأصيل.

لا مجال للحديث عن الأخلاق في السياسة، عندما تكون السياسة كلها حديث موارد مادية، وحديث أسواق استهلاكية، وحديث استتباع وصراع على النفوذ، بواسطة أبناء البلاد المتصارِعَة أولاً، وبواسطة أبناء البلاد المتصارعِ عليها لاحقاً. تتراجع الأخلاق إلى صفوف المؤسسات التربوية والتعليمية، ولا يتعدى وجودها حدود الكتب التي تتضمن نظرياتها، وما يخرج إلى العلن، وإلى ميدان الممارسة والعمل، تأويل الأخلاق السياسي، وابتكار صيغها التي تمجِّد الأمَّة المختارة، أو العرق المتفوق، أو الإيديولوجيا الخلاصية التي تسعى إلى وضع نقطة ختام "لنهاية التاريخ".

شكَّلت فلسطين مسرح اختبار للإنحراف الأخلاقي السياسي العالمي، ثم صارت منبراً يتناوب على الكلام فوقه من احترف النفاق السياسي والتضليل الإعلامي والتزوير التاريخي. يتجلى كل ذلك في أصل المشكلة الأخلاقية الغربية في فلسطين، وفي كل متوالياتها التي ما زالت تتناسل مشاكل فرعية تنتسب انتساباً لا لبس فيه، إلى عقيدة الخطيئة الأصلية التي قادت السلوك الأخلاقي الغربي في فلسطين، وما زالت تمسك بعنقه، بعد أن صار لهذا السلوك مسوِّغاً أخلاقياً آخر، ابتكره "الغربي" ذاته، هو مسوغ "الأخلاقية الصهيونية" حيال الشعب الذي كان بلا أرض، فجاء إلى الأرض التي بلا شعب... حسب الجمل الزائفة التي أنشئت تحت عناوينها الدولة المغتصبة، إسرائيل.

يكذب العالم السياسي الغربي عندما يظهر في هيئة من لا يعرف الواقع العربي، قبل احتلال فلسطين وبعدها، فما هو معلوم للقاصي والداني، أن "العقل" في الغرب يمارس علم الأحفوريات، ويبحث في الديناصورات وانقراضها، ويحتفي كل يوم بقطعة من هيكل عظمي تعين إلى الاقتراب من تحديد عمر الإنسان فوق هذه الأرض، لكن العقل ذاته، تتعطل آليات تفكيره عندما يتعلق الأمر بتحديد من هم سكان فلسطين الأصليون، ومن هو الشعب الذي كان راسخ الجذور فيها، ومن هم المستوطنون المحتلون الغرباء الذين هم حملتهم إلى فلسطين أولاً، قرارات الأمم المستعمرة، ومن وسائلها نقلها، البحرية وغير البحرية. يتعطل العقل الغربي لأنه يعرف أصل خطيئته، وبدلاً من أن يبادر راهناً، إلى تصحيح جوانب فرعية من هذه الخطيئة، نراه يمعن في السير حثيثاً على دروبها، أي إنه يتابع تغليف فعلته اللا أخلاقية الماضية، بمزيد من الأغلفة الرديئة الأخلاق العصرية.

ومن حق العرب أن يجادلوا اليوم، بل أن يعلنوا ما هو معروف ومتداول وفي كتب التاريخ، أن "المسألة اليهودية" هي مسألة غربية أولاً، وليست مسألة عربية في الأساس، جوهر المسألة اليهودية هو اضطهاد العقل الغربي لليهود، وممارسة التمييز ضدهم، ودفعهم صوب "الغيتوات"، لسبب ديني ولأسباب اقتصادية واجتماعية. لم يكن العقل الغربي متسامحاً حيال مواطنية اليهود، مثلما لم يكن متسامحاً حيال كل "الملونين" الذين أقاموا في البلاد التي اعتبرها هذا العقل بلاد اللون الواحد، حيث لا مجال لغير "الأبيض" الصافي اللون، أن يحتل المقاعد الأمامية في كل ما يختص بالشؤون الوطنية. لقد حلَّ العقل الغربي موقفه غير الأخلاقي حيال اليهود، بموقف لا أخلاقي آخر حيال العرب، واستهدف من ضمنهم الشعب الفلسطيني، وما زال مستمراً في استهدافه بسياسات مختلفة.

في ذات سياق الحقوق العربية، يستطيع "العقل العربي"، أن يعلن بثقة ما كان في الديار العربية من تسامح حيال كل المكونات، عندما كانت الديار الغربية ديار تعصب وتزمت، وفي هذا المجال لن تكون تجربة الأندلس المثال الوحيد، ولن يكون موقف المواطنين العرب المسيحيين المثال الأخير، عندما دافع هؤلاء عن بلادهم ضد الفرس في العراق، وضد الحملة الصليبية في أرجاء البلاد التي وصلتها هذه الحملة. هذا التاريخ، لا تلغيه موجة التطرف الحالية التي تعصف بالمنطقة العربية، بل إن من حق العربي أن يعيد التذكير، بأن للسياسة الغربية اللا أخلاقية، حصة وازنة من أسباب هذه الموجة، وأثقل حصة غربية، هي تلك المتعلقة بالسماح باحتلال فلسطين، وبالاستمرار في سياسة منع الشعب الفلسطيني من استرداد جزء من ذاكرته الوطنية فوق تراب أرضه التاريخية.

بعد قرن على ارتكاب الخطيئة من قبل بريطانيا التي كانت عظمى، أي بعد قرن على اللاأخلاقية السياسية تلك، يتوجب على بريطانيا ذاتها أن تتقدم الصفوف للاعتذار من فلسطين والشعوب العربية، ومتابعة التقدم نحو سياسة تساعد على إعادة الاعتبار لشيء من الأخلاقية السياسية.

المصدر: موقع المدن

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/116113

اقرأ أيضا