اتفاقات عدة وقّع عليها الفصيلان المتناحران "حماس" و"فتح" بعد جولات من التفاوض على بنودها، حتى كانت الشوارع عقب كل اتفاق تعج بالمرحّبين والمباركين بالمصالحة، ولكن الفرحة سرعان ما كانت تتلاشى بعد فشل الاتفاق وكسر بنوده، ليعود الحال إلى أسوأ مما كان عليه في السابق.
تعاقب الاتفاقات وسرعة فشلها أرهق المواطنين في غزة، كونهم المتضرر الأكبر من وراء الإنقسام، ما جعلهم يعيشون حالة من اللامبالاة أظهرتها الأشهر الماضية حينما تكرر الحديث عن انفراجات قادمة.. ومع عودة المصالحة المجتمعية والسياسية إلى الساحة، والبدء بترجمتها على أرض الواقع بحلّ "حماس" للجنة الإدارية، بدا الترقّب الحذر سيّد الموقف، إذ وضعت الأخيرة الكرة بملعب "فتح".
محمد الحلو (35عاماً) يقول إنه لا يثق بالطرفين ولم يصدق يوماً الاتفاقات التي أبرماها، كاتفاق الشاطئ، ومكة وغيرها؛ إلا أن الظروف الحالية والتي دفعت "حماس" لتقديم تنازلات كبيرة كان آخرها حل اللجنة الإدارية، قد تؤسس لمصالحة حقيقية.
وتابع أن المعركة الحقيقية الآن ستكون بين الإرادة الشعبية وطرفي الانقسام الذين عبثوا بالمواطنين، "فإذا نجحت المصالحة هذه المرة فالشكر أولاً وأخيراً للشعب فقط، وليس لأي أحد".
الثلاثينية بثينة اشتيوي، تعتبر الحديث المفرط عن حل اللجنة الإدارية وكأنها العقبة الوحيدة في إتمام المصالحة، أشبه بمسرحية هزلية واستخفاف بالعقول، متساءلة :"فما علاقة اللجنة بالانقسام، وما الذي حققته أصلاً على مدار الأشهر الماضية حتى تأخذ هذه الضجة؟".
وتابعت :"في المقابل تغافل الناس عن قضايا أكبر بكثير تختص بمتابعة شؤون الحياة العامة في غزة.. أنا لا آمل فيما يدار اليوم خلف الكواليس، فالقاهرة هي الراعي الرسمي للمصالحة، ومن تحت الطاولة الفيتو الأمريكي العربي قائم قبل الموافقة على أي بند"، معتبرة أن المواطن وحده من سيدفع تكلفة فشل المصالحة.
الأمل بإنجاز المصالحة لا يتجاوز 1% لدى الشاب، عبد الله النحال؛ فتاريخ الاتفاقات السابقة، برأيه، أسود، ويؤكد أن كل طرف يسعى لتحقيق إنجازات لصالحه دون مراعاة حال الشعب الذي دفع من دماء أبنائه ثمن الانقسام.
ويرى النحال أنه في حال فشل المصالحة الحالية، فعلى المواطنين التحرك وعدم الوقوف مكتوفي الأيدي، لأن الأمر لا يخص الحركتين فقط، بل يمس الشعب بشكل مباشر.
فيما بدت العشرينية سميرة قنوع، ساخرة من الوضع السياسي والحديث عن اتفاق المصالحة، فهي لم تعد تثق بأي من الطرفين، لأنهما أثبتا عدم حسن النوايا خلال السنوات الماضية.
وقالت :"لو كانت هناك إرادة حقيقية لإنجاز المصالحة لتمّ الأمر منذ زمن بعيد؛ ولكن كلاهما – فتح وحماس - لا يرغبان بالأمر؛ فغزة أصبحت عبئاً على عباس، وحماس سعيدة بالمناصب وسيطرتها على غزة".
ويؤكد خالد صادق، أن الشارع الفلسطيني لا يزال مشككاً في نجاح المصالحة ولا يمكن لأحد أن يلومه بعد أن فشلت ثمانية اتفاقيات أعلن عنها بمصر ومكة والدوحة منذ 2005، مضيفاً: "أصبح المواطن يتعامل بحذر شديد مع اتفاقيات المصالحة، وينظر إليها بعين الريبة والشك وينتظر خطوات عملية سريعة لإضفاء المصداقية والشرعية عليها".
وأشار إلى أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، لا زال يدرس المصالحة مع جهات داخلية وخارجية قبل أن يعطي قراره، وهو ما قد يعرض الاتفاق للإجهاض.
وتابع:" الكيان الصهيوني والإدارة الأمريكية يقفان في وجه المصالحة ويمنعان السلطة من التصالح مع "حماس" إلا بشروط تعجيزية لا يمكن أن يقبل بها أحد، ما يوجب على السلطة التخلص من أي ضغوطات خارجية بعد استجابة حماس لشروط عباس وحلت اللجنة الإدارية".
أهالي قطاع غزة، الذين صمدوا لما يزيد على عقد كامل من حصار مطبق، ومن ثلاثة حروب طاحنة، أعقبت انقساماً واقتتالاً داخلياً، يتطلعون إلى المصالحة بحذر وترقب، بعد تجاربهم المريرة مع حفلات المصالحة السابقة، ولسان حالهم يقول: لم نعد نحتمل ما جرّه علينا الانقسام من ويلات، ونريد المصالحة التي تعيد لنا حياتنا، وتعيد وضعنا على طريق فلسطين.