قائمة الموقع

إسرائيل وإيران.. صراع الجيران الجدد

2017-09-19T07:33:23+03:00
روحاني ونتنياهو

مازالت أصداء الاعتداء الذى شنته إسرائيل ضد المنشأة العسكرية السورية فى «مصياف» تتردد فى الداخل الإسرائيلى فى محاولة للحصول على إجابة شافية للسؤال المربك: هل باتت إسرائيل آمنة من التطورات الأخيرة التى تحدث فى سوريا والتى قلبت موازين القوى تماماً فى الاتجاه المعاكس الذى كانت تأمله إسرائيل لمصلحة نظام الرئيس بشار الأسد وحلفائه: إيران وحزب الله فى ظل وجود روسى داعم لذلك؟

هناك من يروج لمقولة إن إسرائيل تحولت، بعد هذا الاعتداء، إلى «شريكة فعلية فى سوريا» على نحو ما كتب «تسفى برئيل» فى صحيفة «هاآرتس» لكن كبار الاستراتيجيين يرون أن النتائج أضعف من ذلك كثيراً. فالاعتداء كان بمثابة «اختبار للنوايا الروسية» بشأن حدود الدور الإسرائيلى فى سوريا، بمعنى إلى أى حد يمكن لروسيا أن تسمح لإسرائيل بفرض خطوطها الحمراء فى سوريا، ولكنه، أى الاعتداء، يمكن اعتباره، فى التحليل الأخير «غير قادر على التغيير الجذرى فى المعادلات السورية القائمة، وإن كان قادراً على الإرباك والتشويش». والخلاصة هى أن هذا الاعتداء ليس حلاً، ويبقى السؤال ما هو الحل للمعضلة التى باتت تواجه الأمن القومى الإسرائيلى الآن، وهى أن «إيران أصبحت دولة جوار إقليمي» لإسرائيل، بكل ما يعنيه ذلك من إحداث انقلاب فى نظرية الأمن القومى الإسرائيلى رأساً على عقب.

الحقيقة المرة التى تجد إسرائيل نفسها مضطرة للاعتراف بها هى أن إيران لم تعد موجودة رمزياً فى لبنان من خلال حزب الله فقط، ولكن ما آلت إليه نتائج ست سنوات من الحرب فى سوريا، خاضتها إسرائيل بعنف شديد غير مكشوف عبر أدوات غير مباشرة، كانت تستهدف إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد والتفكيك القسرى لتحالفه مع إيران وحزب الله، وإنهاء دور سوريا ممرا لأسلحة إيران إلى حزب الله، وتدمير الدولة السورية وإنهاء دورها نهائيا فى الصراع ضد إسرائيل على نحو ما حدث فى العراق. جعلت إيران دولة جوار إقليمى لإسرائيل فى سوريا.

هذا يعني، وكما يقول «ديفيد بن آلون» أن الجبهة الداخلية الإسرائيلية التى لم تعد محصنة أمام عشرات الآلاف من الصواريخ التى يستطيع حزب الله إمطارها عليها فإنها تواجه الآن الحقائق المرة الجديدة: «أن الأسد وروسيا وإيران وحزب الله سيواصلون مرافقتنا كجيران فى الأراضى السورية فى المستقبل المنظور»، وأن «على إسرائيل أن تودع فكرة أن سوريا ولبنان لم تعودا جبهتين منفصلتين فى كل مواجهة مستقبلية.. ستتصرفان كجبهة واحدة».

هل تستطيع إسرائيل أن تتحمل هذه الحقائق كأمر واقع وأن تتحمله؟.

السؤال يعيدنا إلى قراءة مجددة للشروط التى سبق أن وضعها «إيهود باراك» رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق عندما أصبح وزيراً للدفاع فى إسرائيل عقب العدوان الإسرائيلى الإجرامى على لبنان صيف 2006. وهى الشروط التى استوعبت تماماً دروس هذه الحرب ونتائجها المريرة كما فهمها إيهود باراك وخاصة نجاح صواريخ حزب الله فى الوصول بكثافة إلى مدينة حيفا بالقرب من تل أبيب واضطرار أهلها إلى اللجوء إلى الملاجئ فى فزع غير مسبوق.

هذه الشروط كانت أربعة؛ أولها، أن إسرائيل لن تكون البادئة بالحرب. هذه نتيجة خطيرة تكشف مدى العجز الذى أصاب نظرية الردع الإسرائيلية بعد أن أصبح هناك من فى مقدوره امتلاك «توازن الردع». ثانيها، أن أى حرب ستخوضها إسرائيل يجب أن تكون خارج أرض إسرائيل. ما يعنى أن إسرائيل غير قادرة على تحمل حرب تدور على أرضها، بعد الهلع الذى أصابها من صواريخ حزب الله التى وصلت إلى عمق الجبهة الداخلية الإسرائيلية. ثالثها، أن أى حرب ستخوضها إسرائيل يجب أن تكون حرباً سريعة. ما يعنى أن إسرائيل غير قادرة على تحمل خوض حرب طويلة، أو حتى حرب استنزاف. أما الشرط الرابع، فهو أن أى حرب ستخوضها إسرائيل يجب ألا تؤثر على جبهتها الداخلية، وهذا أمر لم يعد فى مقدور إسرائيل أن تتحكم فيه على ضوء قدرة حزب الله فى الوصول إلى عمق هذه الجبهة الداخلية وترويعها.

هذه الشروط تبدو الآن تعجيزية أمام المتغير الإستراتيجى الجديد فى سوريا والذى أصبحت إيران بفضله «دولة جوار إقليمي» لإسرائيل بالقرب من هضبة الجولان، الأمر الذى فرض نفسه على كاتب مهم مثل «ناحوم برنياع» وجعله يتحدث عما سماه بـ «قيود القوة» الإسرائيلية فى مواجهة هذا التطور الخطير، ويقول أن «سيطرة عسكرية إيرانية فى سوريا وفى لبنان، بشكل مباشر أو من خلال وكلاء كالأسد ونصر الله، تضع الجيش الإسرائيلى أمام جبهة مزدوجة. وإيران لن تضطر إلى امتلاك قنبلة نووية كى تشل إسرائيل. فإذا كانت تحتفظ فى يدها بمفتاح مخازن الصواريخ فى سوريا ولبنان، فإنها ستتمكن من الوصول إلى كل مكان فى إسرائيل من دان حتى ديمونا».

كيف ستواجه إسرائيل هذا الخطر وهذا الانقلاب فى نظرية الأمن القومى الإسرائيلية بعد أن تصورت إسرائيل أنها أجهزت على كل مصادر الخطر التى تتهددها بالتوقيع على اتفاقيتى سلام مع مصر والأردن، وثالثة مع السلطة الفلسطينية، وبعد اطمئنانها للدمار الذى لحق بالعراق ويلحق بسوريا؟

الجنرال يائير جولان نائب رئيس أركان الجيش الإسرائيلى السابق، المكلف حالياً من قبل وزير الدفاع أفيجدور ليبرمان بصوغ نظرية الأمن الإسرائيلية بناء على المتغيرات الجديدة يقر ويؤكد عجز إسرائيل عن تحقيق الانتصار فى حرب تقودها ضد إيران، وقال فى محاضرة له أمام مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى أنه «من الضرورى الاعتراف بالحقائق وعجز القدرة الإسرائيلية فى مواجهة إيران». لكنه أكد فى المقابل أن التهديد الإيرانى كبير جداً، ولذلك فإن «التعاون بيننا وبين الولايات المتحدة أكثر أهمية (حيال هذا التهديد) بالمقارنة مع أى شيء كان لدينا فى الماضي»، لكنه تحدث أيضاً عن ضرورتين أساسيتين للنجاح فى مواجهة إيران؛ أولاهما، أدوار تقوم بها الدول العربية (السُنية) الحليفة، وثانيتهما، أن تكون إسرائيل، بالمقابل «دولة جوار لإيران» فى كردستان العراق، ومن هنا يأتى الدعم الإسرائيلى للاستفتاء الذى يعتزم إقليم كردستان القيام به للانفصال عن العراق وتأسيس دولة كردية فى شمال العراق.

رهان من شأنه، إن حدث، أن يأخذ الصراع الإقليمى إلى منحنيات جديدة وغير مسبوقة لكنه رهان مرتبط بإرادات أطراف أخرى ليس فى مقدور إسرائيل أن تمتلك مقدراتها، الأمر الذى يضاعف من مخاطر الشعور بالعجز ربما للمرة الأولى فى تاريخ إسرائيل.

د‏.‏ محمد السعيد إدريس

المصدر: صحيفة الأهرام

اخبار ذات صلة