عاد مخيم "عين الحلوة" جنوب لبنان، إلى الواجهة من جديد، بعدما أعلنت مخابراتُ الجيش اللبناني عن تفكيك خليّةً "إرهابيةً" يرأسها المدبّر هو المصري فادي إبراهيم أحمد علي أحمد والملقب بـ"أبي خطاب"، الذي يتوارى داخل المخيم، وعلى خلفية ذلك، كثّف الجيش اللبناني من تدابيره وإجراءاته الأمنية على مداخل المخيم الذي شهد ازدحاماً بالسير، إثر تردّد معلومات عن محاولة عناصر من "تنظيم الدولة" الخروج منه متخفّين، ما أثار الذعر والخوف عند أهالي المخيم الذين ما زالوا يحاولون الخروج من ترددات الأحداث الأمنية الأخيرة، وتلمس الطريق نحو تثبيت الهدوء، فلا تكاد أن تنتهي أزمة حتى تطل أخرى، ويبدو أنها الأخطر هذه المرة.
تلقى أبناء المخيم الأمر بشيء من الصدمة، باعتبار أن لديهم ما يكفيهم من المشكلات والملفات الأمنية والحياتية لا سيما الناجمة عن الأحداث الأمنية الأخيرة التي لم تلتئم جراحهم منها بعد، فساد الشارع الفلسطيني في "عين الحلوة" حال من الترقب لما أدت إليه قضية أبو خطاب من إعادة تسليط الضوء على مخيمهم.
وفي هذا السياق، قال الشاب (محمود س.) لـ"وكالة القدس للأنباء"، "نحن في المخيم لم يعد باستطاعتنا أن نتحمل أكثر، فالجميع يتحدث عن توتر الوضع الأمني، وأنه من الممكن أن ينفجر في أي لحظة، وكأنه لم ينقص مخيمنا إلا أن يحمل تبعات وجود مطلوب جديد متهم بالتخطيط لأعمال إرهابية"، متسائلاً: "إذا حصل أي اشتباك أين سنذهب بأنفسنا، وخصوصاً إذا تدخل الجيش اللبناني ماذا سنفعل؟ كيف سأحمي أولادي الأربعة؟ مطالباً كل المطلوبين بالخروج من المخيم، قائلاً: "ارحمونا وارحموا هالمخيم، والله ما إلنا من بعده إلا الله".
من جهتها قالت السيدة (أحلام خ.)، "نعيش حالة توتر دائمة في المخيم، عندما نسمع صوت رصاصة يدب الذعر في قلوبنا"، مضيفة: "أعصابنا تلفت من هالوضع، وما كان ناقصنا إلا قصة المصري"، وأشارت "لقد استأجرت منزلاً في سيروب خلال الإشتباكات الأخيرة بـ300 دولار أمريكي، وكان من المفروض أن أؤجر منزلي في المخيم حتى أستطيع أن أدفع إيجار منزلي في الخارج، فوضع زوجي صعب جداً، فهو يعمل سائق تاكسي، لكن حتى الآن لم يتقدم أحد لاستئجار منزلي"، مشيرة إلى أنها حتى في هذا الوضع الصعب لم تفكر في العودة إلى المخيم وخصوصاً بعدما سمعته عن المصري، قائلة: "إذا اضطر بي الأمر سأبحث جاهدة عن أي عمل لكي أستطيع دفع آجار المنزل".
أما السيدة (حنان ج.) فقالت إن وضع مخيمنا لا يبشر بالخير، وفوق كل همومنا ومصائبنا ننذل على الحواجز؛ فأنا أعمل في معمل للحلويات في صيدا، وأذهب كل يوم إلى عملي، وبعد التشديدات الأمنية صار بدي واسطة لأطلع من المخيم، وسبق أن تم توقيفي ربع ساعة على الحاجز بسبب عدم وضوح صورة الهوية، وغير ذلك أصبحت أخرج من منزلي قبل بساعة إذا قررت أن أطلع بتاكسي، أو اضطررت للخروج من المخيم مشياً على الأقدام"، متنهدة "معاناة .. معاناة .. معاناة ، الله يكون بعونا، والله ما حدا حاسس فينا".
من جانبه تحدث الحاج (صبحي ع.) شارحاً معاناته اليومية على الحواجز، كونه يعمل سائق تاكسي، قائلاً: "أخرج كل يوم من منزلي عند الصباح، لتأمين قوت العيش لأبنائي، وتأمين مستلزمات ابني الأكبر في الجامعة، وبعد التشديدات الأمنية لم أعد قادراً على العمل طوال النهار، أصبحت أقضي معظم وقتي على الحاجز منتظراً دوري، معاناة فوق معاناتنا، نحن لا ذنب لنا بما يحصل ودائماً نكون الضحية، متسائلاً: فإذا لم أتمكن من العمل من سيدفع قسط الجامعة لإبني، مضيفاً: "مخيمنا ما عاد ينعاش توتر.. ورعب.. وذعر، لم يعد باستطاعتنا التحمل أكثر".
وأضاف الحاج لوكالتنا: "لقد وصلنا إلى وضع لم نكن يوماً نتوقع أن نصل إليه، مخيمنا يدمر وأصبح مأوى لكل مطلوب للدولة، فأكبر مخيم للاجئين وعاصمة الشتات الذي من المفروض أن يكون كل همه قضيته الفلسطينية أصبح وصفه بؤرة إرهابية، فالعيب علينا أننا رضينا بوجود هذه المجموعات في مخيمنا، فالخطر الأكبر ليس هذا الشخص أو ذاك، الخطر الأكبر أن مخيمنا رمز قضيتنا أصبح على حافة الهاوية، ومن السهل تدميره ومحيه وكأنه لم يكن".
يعيش "عين الحلوة" الآن مرحلة دقيقة، ويعيش أهله حالة من الترقب والتوتر بعد الصدمة التي تلقوها، فهم يعيشون في ظروف أمنية صعبة وبؤس اقتصادي واجتماعي غير مسبوق، وحرمان قانوني وحقوقي مفتعل، ولا يجوز أن يحملوا حملاً ليس لهم علاقة به، وأن يكونوا ضحية ما يجري، فهم يتطلعون إلى حل آمن وسريع يؤمن المصالح السياسية والأمنية للدولة اللبنانية المضيفة، ويحرص في الوقت ذاته عليهم وعلى أمنهم، ويبدد حالة القلق والخوف التي يعيشون في ظلالها على مدار الساعة، ولا سيما في الأيام الحالية وسط الكم الهائل من التجييش الإعلامي والسياسي والإجراءات الأمنية القاسية.