قائمة الموقع

غوتيريس والحل المخادع

2017-09-08T06:38:02+03:00
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش

أعلن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، في زيارته للأراضي الفلسطينية المحتلة أن قطاع غزة يمثل إحدى الأزمات الإنسانية «الأشد إثارة التي رأيتها منذ سنوات في إطار عملي»، مطالباً بفك الحصار وفتح المعابر. وشكَّل هذا الإعلان التصريح «الأشد إثارة» الذي أطلقه غوتيريس في زيارته المثيرة للجدل والتي أظهرت مقدار تعاطفه مع «إسرائيل». وكان واضحاً من الجولة التي نظمتها له السلطات الصهيونية على الحدود مع قطاع غزة ورفضه تنسيق زيارته مع سلطات حماس، ميوله التي حاول إخفاءها.

طاف غوتيريس بمروحية عسكرية صهيونية على طول الحدود مع قطاع غزة برفقة مبعوث «إسرائيل» إلى الأمم المتحدة داني دانون ونائب رئيس الأركان الجنرال أفيف كوخافي. وقد شرح المسؤولان الصهيونيان لغوتيريس «التحديات الأمنية» التي تواجهها قوات الاحتلال في الجنوب ووضع القطاع تحت حكم حركة حماس، ثم جال في نفق تدّعي «إسرائيل» أنه نفق هجومي حفرته حماس.

وخلال هذه الجولة طالب غوتيريس حماس بالإفراج عن الأسرى «الإسرائيليين» المحتجزين لديها من دون أن يولي اهتماماً بقضية آلاف الأسرى الفلسطينيين المحتجزين في "إسرائيل".

وكان غوتيريس قد زار رام الله واجتمع ورئيس الحكومة الفلسطينية، رامي الحمد الله معلناً أن المستوطنات تشكل «عقبة كبيرة» أمام تحقيق السلام وحل الدولتين. وقدم غوتيريس ضريبة كلامية معهودة بإعلانه أن لا وجود «لخطة بديلة لحل الدولتين» وأن «حل الدولتين وإنهاء الاحتلال وخلق الظروف لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني هو الطريق الوحيد لضمان إقامة السلام".

ومن الملاحظ أن غوتيريس الذي وصل إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة بدعم أمريكي- «إسرائيلي» حاول إظهار حياد ظاهري يقوم على تكريس مزاعم صهيونية وتجاهل لحقائق ووقائع تاريخية. وقد حدث ذلك في موقفه من تقرير «الإسكوا» الذي برهن على أن «إسرائيل» تنتهج نظام تفرقة عنصرية في الأراضي المحتلة ومواقفها من قرارات اليونسكو ومجلس حقوق الإنسان. ورسخ هذه المواقف بالتقرب أكثر من الرؤية الصهيونية حين أعلن في خطاب له في تل أبيب أنه «لا ريب أن إسرائيل تجسد حق الشعب اليهودي. لقد خلقتم وطناً للشعب اليهودي، لكن الوقت حان لأن يجسد الشعب الفلسطيني أيضاً حقوقه ومطامحه القومية». وأضاف "إنني أؤمن أنه ليس هناك بديل لحل يقوم على المفاوضات بين الطرفين".

وتخفي هذه الأقوال انحيازاً للموقف الصهيوني الذي يحاول منع الفلسطينيين من إقناع الأسرة الدولية، وخصوصاً في الأمم المتحدة، باتخاذ قرارات لتجسيد حق الشعب الفلسطيني في دولته. ويصر غوتيريس على بقاء الحل بأيدي «الطرفين»؛ حيث تمتلك الدولة العبرية وراعيتها الأمريكية كل أوراق القوة فيما يفتقر الطرف الفلسطيني إلى القوة المناسبة سوى الإرادة الشعبية.

ورغم أن الحكومة الصهيونية تعمل جهد استطاعتها لوأد "حلّ الدولتين" وأنها نجحت في تبهيت الموقف الأمريكي من هذا الحل إلا أن غوتيريس باستمرار تمسكه به يمثل الرأي السائد في الأسرة الدولية ولكن من دون امتلاك قدرات تنفيذية على تحقيقه. وواضح أن كلام غوتيريس عن حل الدولتين ورفض الحصار المفروض على قطاع غزة يقع بين خانتي الضريبة الكلامية وخشية الأسرة الدولية من البدائل السيئة.

ومعروف أن انتهاء "حل الدولتين"، يعني فشل المساعي التي بذلت منذ حرب العام 1973 لتحقيق التسوية السلمية بين العرب و«إسرائيل» والتي بلغت ذروتها فلسطينياً بإبرام اتفاقيات أوسلو في العام 1993. والأدهى أن المخاوف من الفشل تغذي ما بات يعرف بـ"رهاب داعش" والذي يعتاش جوهرياً من انعدام الحلول السياسية والاقتصادية في المنطقة والذي بات يهدد السلم والاستقرار العالمي. وضمن هذا السياق يقع الخوف العالمي من استمرار تدهور الوضع الإنساني في قطاع غزة والذي يرى كثيرون، بمن فيهم "إسرائيليون"، أنه قد يفجر جولة جديدة من التطرف في المنطقة.

وتعمل عدة جهات إقليمية ودولية على محاولة الفصل بين المسألة الفلسطينية والتطرف الإسلامي عبر إبقاء فسحة للأمل لدى الفلسطينيين وحرمان المتطرفين من منصة انطلاق مهمة. وليس صدفة أنه في الوقت الذي أعلن فيه غوتيريس مواقفه من الحصار على غزة بادر المبعوث الأمريكي جايسون غرينبلات إلى مطالبة السلطة الفلسطينية باستعادة دورها في قطاع غزة.

ومهم الإشارة إلى أن غرينبلات أطلق أيضاً مواقفه هذه أثناء جولة له على مستوطنات غلاف غزة ما يظهر أيضا المصلحة الصهيونية. وقال غرينبلات بعد جولة وتوضيحات من قادة عسكريين صهاينة "إنني تعلمت الكثير حول التحديات الصعبة التي تواجه الجيش الإسرائيلي، وسكان إسرائيل المقيمين في مناطق مجاورة وسكان غزة، نتيجة سوء استخدام حماس للمساعدات الإنسانية والتزامها بالإرهاب".

وفي كل حال، من الجلي أن زيارة غوتيريس والتي تمت بطلب وإلحاح صهيوني تشكل حلقة من سلسلة المساعي الأمريكية والدولية لصيانة عملية التسوية المجمدة بين تل أبيب والسلطة الفلسطينية. وقد جاءت في ظل تزايد المطالبات الفلسطينية بالعودة للتحرك في المحافل الدولية لوقف مساعي التهويد والاستيطان في القدس خصوصاً وفي الضفة الغربية عموماً. ومن المؤكد أن توجهات السلطة الفلسطينية الحالية في المحافل الدولية تصطدم غالباً بوقع الانقسام العربي الذي يجعل الإرادة العربية ضعيفة أمام الأسرة الدولية.

وهكذا، ورغم كل ما بدا من تعاطف لغوتيريس مع «إسرائيل»، فإن فلسطينيين كثر آثروا في الوقت الراهن النظر إلى نصف الكأس المليء والتركيز على موقفه من حل الدولتين وإشارته إلى الوضع الإنساني المتدهور في قطاع غزة. وواضح أن غوتيريس ومنظمته الدولية لا يمتلكان في الظروف الراهنة أية قدرة على دفع الحكومة اليمينية في تل أبيب للتخلي عن مشاريعها الاستيطانية وعن رفضها للسلام. وطالما أن الإدارة الأمريكية تغازل تل أبيب المتطرفة؛ فإن تصريحات الأمين العام للأمم المتحدة تفقد ما تبقى فيها من قيمة سياسية ومعنوية.

حلمي موسى / الخليج الاماراتية

اخبار ذات صلة