/مقالات/ عرض الخبر

"العدالة لفلسطين" أم "تحرير فلسطين"؟

2017/08/31 الساعة 12:56 م
علم فلسطين
علم فلسطين

وكالة القدس للأنباء - متابعة

راغدة عسيران

منذ انتفاضة الأقصى، وما تخللها من قتل ودمار من جهة ومقاومة ومعارك من جهة أخرى، التفّ الجمهور الغربي الداعم للشعب الفلسطيني حول شعار "العدالة لفلسطين"، كشعار جامع بين مكوّنات متباينة في دعمها للشعب الفلسطيني. منها من يدعم "الحل السلمي" والسلطة الفلسطينية، ومنها من يدعم "المقاومة الشعبية" و"المقاومة السلمية" المتمثلة بمقاطعة البضائع الصهيونية. منها من يدعم الحوار "الإسرائيلي" - الفلسطيني، بين المثقفين والأكاديميين والجمعيات المدنية لبلورة خطة معادية للحكومة الصهيونية، ومنها من يدعم حلّ "الدولة الواحدة" التي تحترم الحقوق المدنية والسياسية لكل "المواطنين"؛ وبعضها يدعم هدف تحرير فلسطين "من البحر إلى النهر"، الذي أطلقه الشعب الفلسطيني حين حمل سلاحه واستعاد ثورته.

 

شعار "العدالة لفلسطين" شعار غامض في أساسه، حيث مصطلح "العدالة" لا يعكس طبيعة الصراع في فلسطين، صراع بين مستوطنين جاؤوا من وراء البحار للاستيلاء على أرض وطرد شعبها، بدعم المجتمع الدولي، وبين شعب أعزل حاول ويحاول قدر الإمكان البقاء في أرضه، والتصدي للغزاة، ومقاومة ترسانتهم الحربية. وقد استطاع إلى الآن تحقيق بعض الإنجازات، منها تطوير المقاومة المسلحة التي تصدت للعدوان المتكرر على الشعب الفلسطيني، التشبث بالأرض ومنع تحقيق الخطة الديمغرافية الصهيونية في النقب والجليل والقدس على الأقل، ومنع تهويد العقل الفلسطيني وبلورة ثقافة وطنية مقاومة. وكل ذلك رغم التواطؤ العربي أحياناً مع المحتل وأصدقاء المحتل، ورغم كارثة اتفاقيات أوسلو وإفرازتها على الساحة الفلسطينية وتداعياتها في الساحات العربية والإسلامية والعالمية.

 

شعار "العدالة لفلسطين" غامض لأنه يحمل عدة أوجه؛ إذ يمكن فهم العدالة بإزالة الكيان المغتصب، أو بتحقيق عدالة مدنية وسياسية واجتماعية بين الغزاة والفلسطينيين، أو بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب الكيان الصهيوني. ولأن الشعار يعبّر عادة عن الهدف، يمكن التساؤل لماذا تبنّت بعض الجهات العربية، السياسية والإعلامية وغيرها، شعار "العدالة لفلسطين" الفضفاض، بدلاً من شعار "تحرير فلسطين" الواضح، إن ما زالت تؤمن بعدالة القضية الفلسطينية وأحقية الشعب الفلسطيني بكل أراضيه ووطنه؟ ذلك أن وضوح الهدف والشعار يساهم في زيادة الوعي لدى الجماهير ويحارب التعتيم والبلبلة المقصودة من قبل الأعداء.

 

هل قرّرت هذه الجهات التماهي مع قرارات الأمم المتحدة على حساب حق الأمة بتحرير فلسطين، من البحر الى النهر؟ أو مع سلطة الحكم الذاتي التي رضخت للمجتمع الدولي وتخلّت عن 80 % من الأرض الفلسطينية لصالح الغزاة وتتفاوض على الباقي؟ هل تعتقد هذه الأصوات التي تنادي بـ"العدالة لفلسطين" أن التحرير مستحيل في ظل التوازنات الدولية أو لأسباب "أخلاقية" (إخلاء الغزاة كما تم إخلائهم من قطاع غزة وسيناء) وبالتالي، من الأفضل رفع شعار يهضمه الغرب والشرق والمجتمع الدولي، باستثناء من لا يزال يتمسك بحقه بالكامل، وهو الشعب المعني أساساً بهذا الصراع؟ ذلك أن التحرير يعني أولاً عودة الملايين من اللاجئين (من الأجداد إلى الأحفاد) والمهجّرين (لاجئي الداخل المحتل) إلى قراهم ومدنهم، واستعادة أراضيهم وأملاكهم وبيوتهم التي استولى عليها الغزاة اليهود، والمقدسات المهوّدة في صفد وعكا والقدس والخليل والنقب، وتدمير الكيان الصهيوني وكافة مؤسساته. هل أصبح التحرير عملية "لا أخلاقية" كما وصفها الكاتب بشير بشير (ميدل ايست جورنال، عدد خريف 2016 ص 562) حين يكتب أن إقامة دولة عربية فلسطينية أو إسلامية على كامل فلسطين التاريخية "غير مقبولة سياسياً وغير مسموحة أخلاقياً" لأنها تقوم على "السيطرة والقهر والإنكار"؟ هل خطاب المنادين بـ"العدالة لفلسطين" موجّه إلى المجتمع الدولي والغربي أم إلى المجتمعات العربية التواقة إلى التحرير؟ هل تسعى إلى إدخال مفهوم الصراع لدى داعمي الشعب الفلسطيني الغربيين إلى المجتمعات العربية والإسلامية، أي أنها أصبحت صوت الغرب الداعم لفلسطين بدلاً من أن تكون صوت الجماهير والمجتمعات العربية التواقة إلى تحرير فلسطين؟ هل تعتبر أن مصطلح "التحرير" مخيف على مسامع المجتمعات الغربية والشباب العربي المتغرّب، في حين لا تتردّد في ذكر "تحرير الجرود" و"تحرير لبنان" وأراض عربية أخرى؟ هل "التحرير" يصلح ضد التكفيريين ولا يصلح ضد الإرهابيين الصهاينة؟ هل يتم التحرير وفقاً لشروط الأمم المتحدة ووفقاً لرضى المجتمع الدولي الذي استثنى الكيان الصهيوني من صفة الإرهاب؟ أم أن التحرير عملية ثورية تتم وفقاً للحق الذي لا يطاله أي شبهة، رغم المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة المجحفة بحق شعب فلسطين، والتي قسمت البلاد وسمحت بغزو فلسطين وأدارت ظهرها كي لا ترى مجازر النكبة؟

 

تطرح هذه الأسئلة لفهم لماذا يتم استبدال شعار رفعه الشعب الفلسطيني ولم يتخلّ عنه الجزء الأكبر منه، بشعار غامض جاء من وراء البحار، كما جاء الغزاة؟ لقد رفضت الثورة الجزائرية، في ستينات القرن الماضي، شعارات اليسار الفرنسي الداعم للشعب الجزائري، الذي أراد تحويل الجزائر العربية والإسلامية إلى جزائر يسارية علمانية، وأكّدت على انتمائها الإسلامي الحضاري والتاريخي. فاستقدمت المعلمين العرب لاستعادة روحها، وقطعت مع خيط الاستعمار "الأحمر". من الطبيعي أن تطرح المجموعات الغربية شعارات داعمة للشعب الفلسطيني تتقاطع ولا تتطابق مع شعارات الشعب الفلسطيني وقواه الثورية، بسبب فهمها للقضية وموقعها في الصراع، ولكن هل المطلوب من الشعوب العربية والشعب الفلسطيني التراجع عن شعاراتهم وأهدافهم التحررية من أجل كسب أصوات الغرب، وبالتالي، إثارة بلبلة وتصدّع في صفوفهم؟ أم المطلوب كسب أصوات الغرب ودعمه على أسس واضحة وصريحة، برفع شعارات تؤكد على الحق العربي بكل فلسطين؟ هل ما زلنا نعيش "القابلية للاستعمار" رغم الإنجازات التي تحققت على أيدي المقاومين والشعب الفلسطيني المجاهد والمضحي، الذي أثبت أن مصدر قوته هو إيمانه بحقه ووحدته، وليس الالتفات إلى أطروحات الغربيين، وتبنّي مفاهيمهم، مهما كانوا صادقين ومحبين؟. 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/115142

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة

اقرأ أيضا