نشرت صحيفة "النهار" اللبنانية في عددها الصادر اليوم الأربعاء 30 آب / أغسطس، مقالة للأستاذة هالة حمصي، تناولت فيها الدعوة التي أطلقها الدكتور فارس سعيد، رئيس "لقاء سيدة الجبل"، لإعلان "هيئة المتابعة الدائمة في لبنان لنصرة القدس" في أيلول المقبل. وستضم الهيئة شخصيات مسيحية وإسلامية، لبنانية وعربية، هدفها "المطالبة لدى دوائر القرار السياسية والدينية برفع القيود عن كل المؤمنين المسلمين والمسيحيين ليحجوا إلى القدس"...
وبالرغم من وجود العديد من اللجان والهيئات العربية والدولية التي تعنى بأوضاع القدس، وتعمل وفق برامجها وخطابها على دعم المقدسيين وتثبيت حضورهم ووجودهم في المدينة المقدسة وتعزيز مقاومتهم لمخططات حكومة العدو التي تستهدف تهويد المدينة وتدمير المسجد الأقصى وإقامة الهيكل المزعوم... فإن للهيئة الجديدة وجهة أخرى يلخصها فارس سعيد بوضوحه المعهود: "ما نقول به هو السلام الثقافي، المعنوي، سلام الحج إلى القدس، بحيث تكون القدس مدينة مفتوحة أمام جميع الأديان واتباعها المسلمين والمسيحيين واليهود، وزيارة السجين لا تعني إطلاقاً التعاون مع السجان".
وفي عرضه لمبررات هذه الدعوة التي خرجت عن خلوة "القدس توأم العواصم العربية ومقصد الحج والزيارة بلا قيود لجميع المؤمنين" التي عقدت في 11/6/2017 بدعوة من "لقاء سيدة الجبل"، و"مركز تطوير للدراسات" الناشط في مجال الحوار الفلسطيني اللبناني الذي يديره هشام دبسي (المقرب من سلطة رام الله) يتوقف سعيد أمام النقاط التالية:
اولاً: يرى سعيد "أن مستقبل المنطقة هو استقرارها وسلام شعوبها" وأول خطوة في اتجاه سلام الشعوب هو أن تكون القدس مدينة مفتوحة لجميع الأديان ونحج إليها بسلام.. فأين هو السلام الذي يتحدث عنه سعيد؟ وأين هي النتائج "السلمية" التي انتجها "المسار السلمي" الذي انطلقت عربته منذ العام 1967، وتكرس باتفاقيات "كامب ديفيد" و"أوسلو" و"وادي عربة" التي تجاوز عمر أولها الأربعة عقود...
فكل هذا المسار وما رافقه من تنازلات لم تفلح بجعل القدس مدينة مفتوحة، لا بل لم تستطع حماية المسجد الأقصى بالرغم من مكانته المميزة في العالمين العربي والإسلامي، باعتباره أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم. كما لم تنجح كل هذه الاتفاقيات في تحرير أسير واحد من سجون العدو كي لا نقول وقف العدوان والاستيطان ووقف بناء الجدار وغيرها من ممارسات سلطات العدو العنصرية الفاشية ضد الشعب الفلسطيني.
فما الجديد الذي ستقدمه هيئة "سعيد – دبسي" لكي تفتح أبواب القدس التي عجز عن فتحها السادات وعباس وعبد الله الثاني وكل جوقة المطبعين العرب؟
ثانياً: يرى سعيد أن ما يبرر دعوته لـ"الحج" ودخول القدس بعنوان "السلام" هو أن "الكفاح المسلح لتحرير فلسطين منذ العام 1948 لم يعط أي نتيجة"... إن هذا الإطلاق يجافي الحقائق الموضوعية التي كرستها المقاومة طوال عهودها السابقة واللاحقة، باعتبار أنها حفظت القضية الفلسطينية من الضياع، بعد احتلال الأرض، وأبقت شعلتها مضيئة بالرغم من كل المؤامرات التي حيكت ضدها في غير ساحة عربية، بهدف تصفيتها.
وها هو خيار المقاومة المسلحة يجبر العدو الصهيوني على الانسحاب من الجنوب اللبناني في عام 2000، ومن قطاع غزة في عام 2005... ويوقع بالعدو هزيمة أخرى في العام 2006 ، أليس هذا نجاحاً وانتصاراً لخط المقاومة؟..
ثالثاً: يستند لقاء سيدة الجبل" و"مركز تطوير للدراسات" إلى تجربة المقدسيين الأخيرة التي أجبرت حكومة العدو على إزالة البوابات الالكترونية عند مداخل الأقصى، ليبرر خياره "السلمي"... متجاهلاً أن المقدسيين كانوا في ميدان المواجهة، وكان معهم كل الشعب الفلسطيني وكل الأحرار في العالم، وأنهم لم يبخلوا ببذل كل التضحيات في مواجهة المحتل وإجراءاته، وهو ما أجبر العدو على التراجع عن إجراءاته.. وليس منطق البيانات والتسول والتوسل.
رابعاً: في كلمته بخلوة "القدس.." يشير فارس سعيد إلى أن "دعوتنا هي إلى الحكومات والسلطات العربية وإلى المراجع الدولية وأيضاً المراجع الروحية الإسلامية والمسيحية من أجل رفع القيود والموانع التي تحول دون إمكانية الحج والزيارة والتبرك في القدس أمام جميع المؤمنين.
والسؤال البسيط والساذج في آن، هو: هل تملك كل هذه الجهات مفتاح المدينة؟.. وإن كان بحوزتها، كما يظن سعيد، فما الذي حال دون فتح أبواب المدينة ليس أمام "السياحة الدينية" وإنما أمام عودة مطران القدس وابنها هيلاريون كبوتشي الذي قضى خارج أرضه وبعيداً عن أبناء رعيته؟.. وأمام عودة مئات وآلاف المقدسيين الذين أبعدتهم سلطات العدو، والذين منعتهم وحرمتهم من الصلاة في الأقصى؟.. وهل سمع سعيد يوما أن كل من سماهم وناشدهم نجحوا في منع هدم بيت مقدسي، أو مصادرته؟.. أو حالوا دون ممارسة عدوانهم الدائم والممنهج ضد المسجد الأقصى وأوقفوا الحفر تحت أساساته؟
خامساً: إن الحديث عن "السلام الثقافي المعنوي" الذي يتحدث عنه سعيد، يعيدنا مجدداً إلى نظرية شمعون بيريز الذي دعا في كتابه "الشرق الاوسط الجديد" إلى نقل التسوية من أيدي السياسيين إلى أيدي المثقفين... علماً أن هذا الخيار سقط بسقوط رموزه، ولم يفلح هذا النهج التطبيعي في اختراق المنظومة المجتمعية الشعبية العربية من أحزاب ونقابات وهيئات شعبية وأهلية. وظل التطبيع محصوراً في الجهات الرسمية، وبعض الاختراقات التي لم تغير في المجرى العام المناهض والمقاوم.
فيا حبذا لو عمل فارس سعيد، وإخوانه الساعين للحج في القدس، على رفع صوتهم عاليا بإعطاء اللاجئين الفلسطينيين في لبنان "أشقاء السجناء المقسيين" بعض حقوقهم المدنية والانسانية، لكي تثبت "حجتهم"!..
ويا حبذا لو أن سعيد ينطق بحقيقة موقفه ومراده كما هو، وبدون عباءة دينية. فمن يريد "السلام" مع "إسرائيل" – كما غرد قبل أيام على التويتر- لا يتلطى بالحج الى القدس، او بمواقف "سلطة" أجمع الفلسطينيون على رفضهم لها وإسقاطها من حساباتهم... فالتلطي بالدين الى القدس يحولكم إلى "دواعش" ومتصهينيين بعلم منكم أو بجهل!
عاليا الغبن والضيم الواقع على أبناء فلسطين في مخيمات لبنان الذين ينوي زيارتهم في المدينة المقدسة
فهل يشكل هذا المسار طريقاً للحج الى بيت المقدس، أم يمهد الطريق إلى "التسوية السياسية" مع "إسرائيل" التي ينشدها سعيد؟
سمير أحمد