وكأن محاولات شد الخناق على اللاجئين الفلسطينيين في لبنان عبر حزمة من القوانين الجائرة التي تحاصرهم من كل صوب، وتحرمهم من أبسط حقوقهم المدنية كالتملك والعمل، لا تكفي للبحث عن المزيد من الثغرات القانونية بغية حرمان الفلسطينيين من التنفس لو استطاع، وآخر الإبداع لأمثال هؤلاء ما كتبه الصحفي هادي فولادكار والذي نشره موقع "النشرة".
فقد شن الكاتب فولادكار هجوماً عنيفاً على عدد من كتاب العدول، بسبب ما سماه توطين الفلسطينيين "بطريقة غير مباشرة وغير قانونية، عبر إعطائهم حق تملك المنازل"، وذلك في تقريره الذي كتبه، أمس الثلاثاء، على موقع "النشرة"، تحت عنوان: "الفلسطينيون يتملكون في لبنان باقرارات لدى كُتّاب العدل وما من محاسبة...".
وكانت "النشرة قد أشارت إلى ما كشفته بعض وسائل الإعلام منذ فترة عبر نشر صورة إقرار كتبت لدى الكاتب العدل جوزف بشاره، نظم فيها عقد بيع ممسوح لعقار من السيد اللبناني محمد خليل المصطفى الحسين إلى السيدة الفلسطينية مريم ابراهيم ذياب"!
ودعا فولادكار في تقريره لمصادرة العقارات التي تم تملكها من قبل الفلسطينيين بالاستناد الى الافادة او التصريح الكاذب دون مقابل؛ وإلى إنزال "عقوبة الاشغال الشاقة المؤقتة بحق كتاب العدول، وبغرامة تتراوح بين قيمة الحق العيني وثلاثة أضعافه".
من جهته، رد الكاتب بالعدل جوزف بشاره في حديث خاص لـ "وكالة القدس للأنباء" على ما ورد في تقرير "النشرة"، نافياً الاتهامات التي ساقها اليه فولادكار بتنظيم عقود بيع ممسوح لعقارات للاجئين فلسطينيين، من شأنها أن تساهم في توطينهم في لبنان، مؤكدا أن "هذه الاتهامات كيدية وأسبابها انتخابية".
وقال بشاره لوكالتنا، إن "هذا الإدعاء كيدي وغير صحيح، وله أسباب انتخابية، بدليل أن الإقرار كتب عام 2010 ونحن اليوم في العام 2017"، مؤكداً: "نحن متلزمون بالقوانين وتحت سقفها".
واعتبر بشاره أن "الكاتب فولادكار لا يدرك الفارق بين الحق المالي والحق العيني العقاري"، مشيراً إلى أن "الإقرار هو عبارة عن إثبات مالي في حال رفعت دعاوى مستقبلاً، فيكون هناك أوراقاً ثبوتية لتثبيت حقوق السيدة الفلسطينية، وهو لا يعتبر عقد بيع ممسوح".
والوثيقة التي أبرمها فولادكار نفسه كافية لإثبات ما قاله بشارة، فقد جاء فيها إقرار من السيد اللبناني محمد خليل المصطفى الحسين: أقرّ انني أملك الشقة السكنية-القسم رقم الثالث عشر من العقار رقم2835 من منطقة عين عنوب العقارية بموجب سند تمليك قسم خاص، وأن هذه الشقة تعود للسيدة مريم ابراهيم ذياب، الفلسطنية تولد 1962 ملف رقم 65 بيان احصائي رقم 8963 والدتها منيبه، غير أنه تم تسجيلها على اسمي بسبب عدم سماح القانون اللبناني بتملك المواطنين الفلسطينيين."
و"انني اتعهد بتسجيل هذه الشقة على اسم السيدة مريم ابراهيم ذياب و/أو إسم إبنها السيد ماهر محمد أسعد الفلسطيني -تولد 1985- ملف رقم 65 بيان احصائي رقم 8963 عندما تسمح القوانين اللبنانية بذلك أو على اسم من يريدان في حال أرادا بيعها".
"هذان الاقرار والتعهد نهائيين لا رجوع عنهما ملزمين لي ولورثتي من بعدي، صالحين للتنفيذ مباشرة لدى كافة المحاكم المختصة، وفي حال وفاتي تنتقل ملكية هذا القسم حكماً إلى السيدة مريم ابراهيم ذياب و/أو إسم إبنها السيد ماهر محمد أسعد أو على اسم من يريدان في حال ارادا بيعها".
إذن، الإقرار جاء بمثابة وثيقة رسمية لورثته بعد وفاته في سبيل حفظ حق السيدة الفلسطينية ذياب ونجلها ليس إلا، وتأكيد الحسين على ملكيته التامة للشقة نفى اتهامات كاتب المقال فولادكار لبشاره بإبرامه عقد بيع ممسوح بالعقار لذياب.
وشدد بشاره على أن "الحق المالي لا يسقط لأي فرد على اختلاف جنسيته، لأن القضاة والمؤسسة العدلية في لبنان ليس من شأنها أن تأكل حقوق الناس، بل مهمتها الحفاظ عليها ضمن المعايير الأمنية والقانونية المقرة".
طالب فولادكار وزير العدل اللبناني سليم جريصاتي أن يضع يده على الملف لاجراء المقتضى. داعيا النيابة العامة للكشف على سجلات كاتبي العدل: جوزف بشاره وعماد سليم، للكشف على سائر عمليات تملك الفلسطينيين المشابهة التي قاما بها.
ولكن، ألم يكن أجدى بفولادكار أن يبحث في قانونية حرمان الفلسطينيين من حق التملك في الدرجة الأولى، بدل أن يطارد الثغرات القانونية التي تحقق للناس جزءاً من حقوقهم؟ فهل هو حريص على القانون أم على الظلم الذي يلحقه القانون بالناس؟
وإلى متى سيستمر بعض كتاب المقالات في ملاحقة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وتحييد أقلامهم عن كل المظاهر الإيجابية والنجاح في مخيمات اللجوء في لبنان؟..
وأين دور الحكومة اللبنانية والمؤسسات الدولية التي تعنى بحقوق الإنسان في كل ما يتعرض له اللاجئين الفلسطينيين ، وفي تغيير النظرة السلبية والنمطية لهم في كافة ميادين الحياة اليومية في لبنان؟ ...
هذه الأسئلة هي برسم المعنيين من الحكومة اللبنانية والفصائل الفلسطينية في لبنان والمؤسسات الحقوقية للتحرك سريعاً والعمل على تحسين الواقع المرير للاجئين الفلسطينيين، واستبدال الصورة النمطية العنصرية بحقهم إلى حين عودتهم إلى موطنهم الأصلي فلسطين المحتلة.