حقق المقدسيون نصراً كبيراً في المعركة الطويلة الدائرة حول القدس عموماً والحرم القدسي خصوصاً في مواجهة مخططات التهويد. ووفر اضطرار الحكومة «الإسرائيلية» إلى التراجع عن قرار نصب البوابات الإلكترونية على مداخل الحرم فرصة كبيرة للمقدسيين لتكثيف جهودهم وتوحيدها في مواجهة هذه المخططات. وبالمقابل وضع هذا الإنجاز علامة استفهام كبيرة حول مدى نجاح الاحتلال في فرض سيطرته على المدينة المقدسة طوال خمسين عاماً ومستقبل وجوده فيها. وهذا ما دفع اليمين الاستيطاني والحاكم إلى زيادة مساعيه لفرض سيطرته وإثبات سطوته عبر توسيع العقوبات والملاحقات بحق المقدسيين.
* تعمَّد الاحتلال في الأسابيع الأخيرة تقييد حركة المصلين والتجارة في المدينة المقدسة خصوصاً في البلدة القديمة تأكيداً لسيطرته على الموقف وعقاباً لأهلها على وقفتهم المشرفة في أحداث الحرم. وبدأت هذه التقييدات بعرقلة وصول المصلين إلى المسجد الأقصى عبر فرض اشتراطات على أعمارهم أو الأماكن التي يأتون منها. وأتبع ذلك بتشجيع غلاة المتطرفين من اليهود، خصوصاً من أنصار هدم الأقصى وبناء الهيكل مكانه، على الوصول للحرم واقتحامه بل وإجراء صلوات في باحاته. ومعروف أن جهوداً كبيرة بذلت في الأعوام الأخيرة بهدف فرض واقع جديد في الحرم يرمي لتقسيمه مكانياً وزمانياً على شاكلة ما هو قائم في الحرم الإبراهيمي في الخليل.
ورغم مواصلة الاحتلال ادعاءه أمام العالم بأنه يحترم حرية العبادة ويوفر للمؤمنين فرص الوصول إليها فإنه يواصل سياسة عرقلة الوصول إلى الأماكن الإسلامية والمسيحية المقدسة في القدس في إطار رغبته في تأكيد السيطرة عليها. وبديهي أن هذا يجسد سياسات العقاب الجماعي ضد الفلسطينيين في الضفة والقطاع المحرومين من الوصول إلى الأماكن المقدسة في القدس ويمس مشاعرهم الدينية. كما أن السماح للمتطرفين اليهود باقتحام الحرم والصلاة فيه ليس أقل من تدنيس واضح للمقدسات. وواضح أن ما يجري حالياً هو استمرار لسلسلة طويلة من الممارسات الصهيونية على طول سني الاحتلال المستمر منذ خمسة عقود.
ورغم أن المخططات الصهيونية كانت واضحة منذ بدء الاحتلال وهدم حارة المغاربة لتوسيع باحة حائط البراق وإنشاء كنس يهودية هناك إلا أن تجسيدها تسارع بعد اتفاقيات أوسلو ووصول «الليكود» من جديد إلى الحكم. ففي العام 1997 سمح المستشار القضائي للحكومة الصهيونية لليهود بالصلاة في باحات الحرم ولكن بعد التنسيق مع الشرطة «الإسرائيلية» لتوفير الحماية لهم. وبعدها تسارعت المخططات للسيطرة على بيوت وهدم آثار إسلامية في مسعى واضح لفرض الرؤية الصهيونية على تاريخ المكان. وفي أعقاب انتفاضة الأقصى ووصول أرييل شارون إلى الحكم تم وضع آلية منظمة لوصول اليهود إلى الحرم.
ومنذ ذلك الحين تزايدت الصدامات مع المتطرفين اليهود الراغبين في فرض سيطرتهم على الحرم والصلاة فيه باعتباره تجسيداً لطموحهم بهدم الأقصى وبناء هيكل سليمان المزعوم مكانه. وهذا ما قاد إلى نشوء ظاهرة المرابطين والمرابطات في الأقصى من أبناء فلسطين في القدس ومناطق 48 والضفة الغربية. وتقريباً وقعت في العامين الأخيرين من جانب المتطرفين اليهود مئات المحاولات لاقتحام الأقصى والصلاة فيه، وهي محاولات جوبهت دوماً بتصدٍ بطولي من جانب المرابطين والمرابطات. وهذا ما اضطر حكومة الاحتلال لإعلان المرابطين والمرابطات «جماعة غير قانونية» وملاحقة نشطاء الحرم بتهم ممارسة الإرهاب ومحاكمتهم وإلقائهم في السجون أو إبعادهم عن القدس.
وأظهرت تقارير جماعة «أمناء الهيكل» المتطرفة أنها نظمت منذ بداية العام اقتحامات للحرم القدسي شارك فيها ما لا يقل عن 19 ألف مقتحم. وكما سلف فإن هذه الاقتحامات التي سجلت رقماً قياسياً لم يسبق له مثيل تتم بتشجيع من حكومة الاحتلال. وأشارت هذه التقارير إلى أن 3220 مستوطناً اقتحموا الأقصى الشهر الفائت فقط، وهو رقم لم يسجل منذ عام 1967، موضحة أن الأسبوع الأخير منه سجل اقتحام 493 مستوطناً بزيادة تقدر ب 142% مقارنة بنفس الأسبوع من العام الماضي.
وبديهي أن هذه النشاطات الصهيونية تستدعي رداً مباشراً من جانب أهالي القدس الذين يمارسون بشكل يومي ودائم التصدي لهذه الحملات، وهذا ما يعرضهم بشكل متواصل لاعتداءات من جانب المستوطنين والمتطرفين اليهود ومن جانب الشرطة «الإسرائيلية». وتقريباً في كل يوم هناك إصابات واعتقالات في صفوف المقدسيين وحماة الأقصى. ويشهد كثير من المتابعين على أن التوترات المتزايدة في القدس هي ثمرة سياسة الانتقام التي تنتهجها قوات الاحتلال والتي لا تقتصر على تقييد الصلاة واعتقال المرابطين. فالقدس، أكثر من غيرها من أراضي الضفة العربية تشهد عمليات مصادرة أراضي مواطنين فلسطينيين وأوقاف إسلامية ومسيحية. كما أنها أكثر من غيرها من المناطق تتعرض لحملة استيطان ممنهجة هدفها الفصل بين الأحياء العربية وزرع مستوطنات يهودية داخلها ومنع تواصلها مع الضفة الغربية. وخلال الشهر الفائت وحده تمت المصادقة على بناء 1935 وحدة استيطانية في القدس الشرقية. كما أنها أكثر المناطق التي تمارس فيها سلطات الاحتلال سياسة هدم البيوت بدعوى عدم حصولها على تراخيص بناء. وعمليات الهدم هذه ظاهرة شبه يومية في أحياء القدس الشرقية خصوصا العيسوية وبيت حنينا وسلوان وجبل المكبر وحزما والزعيم والتجمعات البدوية شرق القدس.
كما أن الاعتداءات على البشر في القدس تتزامن مع صدور قرارات عنصرية وخطيرة من قبل ما تسمى لجنة التشريع الوزارية في الحكومة «الإسرائيلية» وفي مقدمة ذلك قانون «القدس الموحدة» والذي ينص على عدم جواز التنازل أو الانسحاب من أي جزء من القدس في المفاوضات أو أي تسوية سياسية من دون تأييد 80 عضوَ «كنيست» على الاتفاق. ويرمي هذا القانون إلى تكريس «واقع قانوني» يمنع مستقبلاً إقرار أي اتفاق سياسي أو تسوية سلمية تقوم على الانسحاب «الإسرائيلي» من القدس.
وتقوم قوات الاحتلال بحملات مداهمة منظمة ضد النشطاء في مواجهة الاحتلال فضلاً عن تكثيفها لمداهمات المكاتب الصحفية لمنع وصول الحقيقة إلى العالم. وتستولي قوات الاحتلال على أجهزة حواسيب هذه المكاتب لتشكل رادعاً لمكاتب وصحفيين آخرين ودفعهم إلى تقييد فعالياتهم. وتمارس محاكم الاحتلال وشرطته سياسة فرض الغرامات الباهظة على المشاركين في الاعتصامات والتظاهرات فضلاً عن الضرب والتعذيب. ومؤخراً لجأت إلى سياسة إبعاد مقدسيين تارة عن الأقصى وأخرى عن المدينة بأكملها لمنعهم من المشاركة في الدفاع عنها.
على أن واحداً من أوسع مشاهد العقوبات التي تلجأ إليها سلطات الاحتلال هو إلغاء إقامة المقدسيين في مدينتهم. وكانت منظمة هيومان رايتس ووتش قد اعتبرت هذا الإجراء جريمة حرب، وقالت: إن سياسة الاحتلال القائمة على فرض نظام الإقامة على أهالي القدس يجعل مهمتهم شاقة للحفاظ على إقامتهم فيها ويكبد من يخسرونها عواقب وخيمة.
حلمي موسى / صحيفة الخليج الاماراتية