ضربت دولة جنوب إفريقيا مثلاً في دعمها المبدئي للشعب الفلسطيني ورفضها التاريخي للعدوان الصهيوني عليه، عندما قررت مقاطعة «القمة الإفريقية «الإسرائيلية» للتكنولوجيا العليا والاتصالات والزراعة والأمن» المقررة في أكتوير/ تشرين الأول المقبل في العاصمة التوغولية «لومي»، وهي قمة يراهن الكيان الصهيوني من خلالها على التغلغل في القارة السمراء ضمن مساعيه المستمرة للتطبيع مع دولها، وخصوصاً الفقيرة منها والموبوءة بالصراعات والأمراض والنقص الحاد في التنمية.
موقف جنوب إفريقيا، جاء استجابة لطلب من المغرب الذي يعمل بالتنسيق مع "السلطة الفلسطينية" وعدد من الدول الإفريقية على قطع الطريق على الحضور «الإسرائيلي» في قمة لومي، وهو مسعى ربما يقود إلى إلغاء القمة في نهاية المطاف إذا قررت الدول الوازنة في القارة عدم حضورها، بما سيمكن من تسجيل تغيير كبير في مواقف الدول الإفريقية ويحاصر التأثيرات الصهيونية هناك، وهو ما يفترض في الفلسطينيين ومعهم الدول العربية المسارعة إلى إغلاق المنافذ أمام التوغلات الصهيونية ومد جسور التعاون مع الدول المختلفة واستقطابها، لا سيما بعد أن أصبحت القارة الإفريقية محط طموحات القوى العالمية لما تزخر به من آفاق غير محدودة، وقدرة على الحضور في المستقبل.
مما لا شك فيه أن الكيان الصهيوني بدأ يقتنع بأن اندفاعه إلى إفريقيا لن يمضي بسلاسة، وهو ما أثار رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو حين هاجم ضمنياً المغرب وجنوب إفريقيا على ما أسماه «ممارسة ضغوط» على رئيس توغو لإلغاء القمة، وقد نسي نتنياهو أن كيانه الذي يعرف حالة نبذ دولي غير مسبوقة، لم يعد مرحّباً به في أي مكان حتى في إفريقيا التي توسم بأنها «متخلفة»، ولكن تاريخها يشهد بأن زعماءها وشعوبها ضربوا أروع الأمثال في المواقف التقدمية، خصوصاً في دعم قضية الشعب الفلسطيني، وهو ما يدفع إلى الاعتقاد بأن الحضور الصهيوني لن يجد أي ترحيب أو ارتياح بين تلك الأمم.
عندما كانت جنوب إفريقيا ترزح تحت الحكم العنصري البغيض، كان زعماء التحرير وعلى رأسهم الرمز نيلسون مانديلا يعتبرون القضية الفلسطينية توأم قضيتهم، وأن نظام التمييز العنصري في بريتوريا هو صنو المحتل الصهيوني، لأنهما نظامان يصدران عن مرجعية واحدة تقوم على استغلال الشعوب وسلب حقوقها بالقهر والغصب. وحين تخلصت جنوب إفريقيا من نظامها البغيض وتحررت، تحولت في سنوات قليلة إلى مركز للأحرار في العالم. وأصبح الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات من المقربين إلى مانديلا، بينما بات الصهاينة في وضع لا يحسدون عليه؛ فقد نسف تحرر جنوب إفريقيا كل الشبكات التي بنوها بين الدول الإفريقية في الثمانينيات من القرن الماضي وكان من أبرز عناوينها جلب يهود الفلاشا والاستثمار في اليورانيوم وتسليح بعض الحركات المتمردة في مناطق مختلفة.
اليوم ربما يستعيد التاريخ الإفريقي بعضاً من مجده؛ فالتصدي للحضور الصهيوني ضرورة قاريّة، بشرط أن يستثمر العرب وأنصار القضية الفلسطينية هذا التحرك. فلم يعد خافياً أن كيان الاحتلال لم يعد مرغوباً فيه في أوروبا، بسبب سياساته واعتداءاته وتجاهله المتعمد للقانون الدولي ولحقوق الفلسطينيين، وإذا كان هناك موقف إفريقي بمقاطعة الصهاينة، فلن يكون تضامناً مع شعب فلسطيني مظلوم، بقدر ما هو انتصار للقانون الدولي الإنساني حتى يفهم الصهاينة أن العالم يتغير ضدهم بما فيه إفريقيا التي لم تعد قارة منسيّة أو إقليماً على الهامش.
مفتاح شعيب / صحيفة الخليج الاماراتية
chouaibmeftah@gmail.com