وكالة القدس للأنباء – متابعة
يسند علماء التربية والمؤرخون للرواية التاريخية أهمية بالغة وبحق من ناحية صيانة الذاكرة الجمعية والهوية الوطنية خاصة بالنسبة لأقليات أصلية تتعرض ثقافتها للطمس والإبادة. لكن التجربة تدلل على أن الراوي لا يقل أهمية عن الرواية أحيانا كثيرة من ناحية نشرها وتغلغلها لدى جمهور. الهدف كما في الحالة المطروحة هنا، حالة فلسطينيي الداخل ممن تركوا كالأيتام في وطنهم، تبرأ العرب منهم وحاصرتهم إسرائيل وعملت على تدجينهم وأسرلتهم وربما صهينتهم وإبادة تسمياتهم ومصطلحاتهم، وانتماءهم وهويتهم منذ سبعة عقود وبشكل منهجي وبوسائل عدة أهمها جهاز التربية والتعليم المتميز برقابة صارمة بالتعيينات والتفتيش وبمضامين نظيفة من التربية الوطنية وتعج بالتهويد.
جميل عرفات (أبو رياض) ابن قرية المشهد قضاء الناصرة داخل أراضي 48 يواصل حمل الرواية وصيانتها برموش العين وروايتها بكل طريقة بهدف نقلها للأجيال. هذا العام يبلغ أبو رياض الثالثة والثمانين من عمره لكنه يستأنف عمله كل صباح بجهد النملة في توثيق التاريخ الفلسطيني وصيانة الذاكرة الوطنية.
عرفات باحث في التاريخ وهو من المؤرخين الذين يولون الرواية الشفوية أهمية كمصدر لكتابة التاريخ لجانب الوثائق والأرشيفات خاصة في الحالة الفلسطينية في ظل نهب المكتبات وعمليات التهويد الجارية. بعد إصداره سلسلة كتب في تاريخ قضية فلسطين ينكب أبو رياض على إعداد الجزء الثاني من كتابه، «المشهد في الذاكرة والقلب» وهو تاريخ وطنه الصغير، قريته المشهد. ويعتمد هذه المرة على دفاتر يوميات دونّها أحد أبناء قريته الذي سجّل بخط يده كل ما شهدته القرية يوميا في 50 مفكرة .
مكتبة فلسطينية
أبو رياض الذي أنهى دراسة التاريخ والجغرافيا في جامعة حيفا يوضح لـ «القدس العربي» أنه يعتاد على القراءة والكتابة يوميا منذ عقود، منوها بأنه يشعر بالفقدان والضيق حينما يمر يوم لا يقرأ ويكتب داخل مكتبته العامرة. ويحرص أبو رياض على إثراء مكتبته بالكتب الفلسطينية فهو دائم الزيارة لمعارض الكتب ويقول إنها تصله من أصدقائه وأقربائه في الدول العربية كـ «موسوعة أعلام فلسطين» الذي بلغه من الأردن قبل أيام. وبقدر القراءة تأتي الكتابة إذ صدر له حتى الآن سبعة عشرة كتابا طبع معظمها على نفقته الخاصة اعتمادا على مرتب تقاعده بعد عمله مربيا طيلة نحو أربعة عقود لعدم توفر مؤسسات ثقافية تعنى بدعم الكتاب والباحثين.
بيت كالمتحف
ويدلل منزله على هويته واهتماماته فمضافته تبدو متحفا تراثيا تزدان جدرانها بشهادات التقدير والصور التاريخية. لكن عرفات لا يكتفي بتدوين الرواية الشفوية وكتابة التاريخ الفلسطيني فهو يعنى بنقل وتعميم الذاكرة الوطنية من خلال برامج إذاعية وإعلامية محلية. وتتجلى قدرات أبي رياض وتتضح حيوية ذاكرته خلال قيادته مجموعات من الشباب والمهتمين في جولات ميدانية في القرى الفلسطينية المهجّرة منذ 1948 وتلك المحتلة منذ 1967. من ضمن هذه الزيارات صاحبناه في منطقة قضاء غزة حيث أطلع على مرافقيه على تدمير معظم قراه أمثال اسدود، ومجدل وعسقلان وحمامة، والفالوجة وجولس وغيرها وتحول أهلها للاجئين في القطاع. ولا يكتفي بالملامح العامة للقرية بل روى ما قرأه وسمعه عن حياة أهلها قبل النكبة، خلالها وبعدها، مستحضرا اعترافات يهودية بجرائم الصهيونية ويعدد أسماء شهداء كثر وكأنه يغرف من بحر غزة.
الجندي المجهول
وخلال زيارة أخرى لقرية الكابري المدمرة قضاء عكا استذكر أبو رياض كيف قطع ثوار المنطقة طريق قافلة مقاتلين صهاينة في 27.03.48 كانت تتجه نحو قلعة جدين التاريخية لمد مستوطنة إسرائيلية بالرجال والعتاد وقتلوا نصف رجالها. وفيما يعزو المؤرخ عارف العارف الفضل في نجاح المعركة لجيش الإنقاذ وأهالي الكابري يقول جميل عرفات إن ذلك تم بفضل بسالة ثوار قرية الكويكات القريبة. ويضيف متوددا «حتى لو غارت الكابري فالفضل يعود لشباب الكويكات».
وبجوار جدول غزير ومطحنة قمح تاريخية استراحت المجموعة في أفياء شجرة بلوط وارفة فيما كان أبو رياض يروي قصصا تراثية نسجت حول الطاحون التراثي. وهذه مجرد شذرات من معلومات يغرفها من بحر ذاكرته المتقدة. يشدّد أبو رياض على التسميات الفلسطينية للمواقع التي استبدلت بتسميات عبرية والعائلات التي سكنت معظم القرى المهجّرة ويحرص على سرد رواية المكان بكل ما فيه.
حب الوطن
ويوضح أبو رياض أن حب الوطن لدى الأجيال أشبه بزرع نبتة يحتاج نموها وبقاؤها للرعاية الدائمة وهو حاضر الإجابة فما أن يتذكر قرية حتى يعدد عائلاتها وحمائلها. ويشير لحيوية بناء رابطة وجدانية بين الإنسان وموطنه بوسائل تربوية وتثقيفية عدة منها ربطه بتاريخه وتراثه من خلال زيارات ميدانية وحفظه مسميات بلاده، لافتا لقول الشاعر الراحل محمود درويش « الأرض تورث كاللغة». متسائلا «ما زالت الصهيونية تدأب على تنشئة جيل مرتبط بالبلاد وتعزيز جاهزيته للقتال من أجلها عبر تغذيته بروايات معظمها أساطير فكيف لا نحتفظ نحن بروايتنا الحقيقية؟
شغف كبير
عرفات والد لعشرة أبناء يقول إن غصة تصيبه حينما يشهد استبدال أسماء المواقع الفلسطينية بتسميات عبرية غير أنه مطمئن لبقاء الذاكرة الجماعية لدى أصحابها. أما أسرار شغفه الكبير بالذاكرة الجماعية فمتعددة وأقدمها حبه للجغرافيا والتاريخ والطبيعة كما يقول مبتسما وفيما تدلل شهاداته المدرسية من فترة الانتداب البريطاني على تفوقه به.
كما يعود اهتمامه بذاكرة الوطن لكونه رياضيا ومسؤولا عن الكشافة وتأليف كراسات عن مساراتها في الطبيعة، إضافة لعلاقات القربى والصداقة مع مهجرين فلسطينيين كعائلة أخواله المهجرين من قرية ندور التي عرفها في صباه وقبل تدميرها عام 1948 يوم كان لوالده قسيمة أرض وبيت ما زال يحتفظ بمفتاحه.
المصدر: «القدس العربي»
