تصريح الدكتور فايز الطراونة رئيس الديوان الملكي الأردني أن ما حصل في مقر السفارة الإسرائيلية «جريمة» ثم إعلانه في ديوان عشائر الدوايمة «حقوقكم محفوظة… ودم إبنكم محمد جواودة في رقبتنا» يعكسان حجم الغضب من الموقف الإسرائيلي الاستعراضي مع عودة حارس الأمن في سفارة تل أبيب في عمان.
الطراونة يتحدث هنا بإسم المؤسسة الملكية، بالتوازي مع الموقف الأردني الرسمي الذي تسرب لمحطة «سكاي نيوز» مباشرة بعد استضافتها وزير الخارجية أيمن الصفدي في حديث خاص وهو موقف يعرض الرسالة الجديدة لحكومة بنيامين نتنياهو: «طاقم سفارتكم لن يعود قبل محاكمة الحارس القـاتل».
قبل ذلك بساعات فقط، كان الصفدي يطل على الشاشات ويتحدث عن «العار الإسرائيلي» ليعلن «تم التعامل مع القاتل وكأنه أسير محرر» ليضيف: هذه ليست دبلوماسية.
في الأثناء يتخذ مجلس الوزراء الأردني سلسلة قرارات في جلسة متأخرة جداً، بعد حالة إحباط وسخط شعبية غير مسبوقة، تهدف لمحاصرة القاتل "الإسرائيلي" الذي احتفل به رئيس الوزراء "الإسرائيلي" بنيامين نتنياهو والمطالبة بمحاكمة «جنائية» داخلية وبحضور نخبة من أبرز المستشارين الدوليين في الخارج مع تكليف وزير العدل ولجنة وزارية ثلاثية بالمتابعة.
ثمة رسائل في غاية الأهمية بمجمل هذا التحرك الرسمي الأردني المفاجيء والغاضب والذي جاء رداً على سلسلة «صفعات» وجهّها بنيامين نتنياهو للأردن عند استقبال الحارس "الإسرائيلي" الذي سمح له بالمغادرة بناء على تدخل مباشر من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الرسالة الأكثر أهمية وردت في مضامين الموقف الذي أعلنه ممثل المؤسسة الملكية الأردنية وبصورة تعكس «غضب القصر» الدكتور طراونة في مقر ديوان عزاء الدوايمة.
هنا يمكن بناء الاستنتاج الجديد بعنوان استدراك ملكي يقلب الرواية التي قدمها المستوى الأمني للرأي العام وهو يتحدث عن «مشاجرة» وعن هجوم بـ»مفك الأثاث» تطلب دفاع القاتل "الإسرائيلي" عن نفسه.
الأمن قرر ذلك لتبرير السماح بالمغادرة السريعة للحارس القاتل وكان يمكن للأمر ان يعبر لو لم يستقبل نتنياهو القاتل ويشاغب ويناكف الأردنيين.
لكن الطراونة يقدم عملياً «الرواية البديلة» وهو يتحدث عن «جريمة» وليس مشاجرة، والحكومة تعلن فجأة بعدما نهشها الرأي العام وطالب بإسقاطها، بأن الملف سيحال لمحكمة الجنايات الكبرى قبل أن يتخذ القرار السياسي الأهم، بعنوان عدم السماح بعودة الطاقم "الإسرائيلي" لعمله في سفارة عمان قبل محاكمة القاتل.
داخل مجلس الوزراء قدر وزير الخارجية ومعه وزير الدولة للشؤون القانونية الدكتور بشر الخصاونة، أن النص الوارد في إتفاقية فيينا الذي استندت إليه الحكومة في السماح بمغادرة الدبلوماسي "الإسرائيلي" القاتل هو نفسه النص الذي يمكن الإعتماد عليه في إلزام "إسرائيل" بمحاكمته بموجب القضاء الإسرائيلي بدلا من التعامل المخجل معه كبطل.
الشخصيات التي تحركت للضغط على "إسرائيل"، بعدما أخفقت الحكومة بإدارة الأزمة، مثل رئيس الديوان الملكي ووزير الخارجية المحسوب أصلاً على مؤسسة القصر الملكي، تعكس عمق الرسائل الجديدة، ودرجة الغضب من الإساءات "الإسرائيلية".
وهنا يمكن ملاحظة المستجدات الحساسة، فقد قدر مستوى القرار المركزي بأن حجم الاحتقان الذي أثارته حكومة نتنياهو في الشارع الأردني عبر صور الاحتفال بالقاتل الحارس كان ينطوي على مجازفة كبيرة لمضايقة الدولة الأردنية. ولم يقف الأمر حسب معلومات «القدس العربي» عند هذا الحد، بل أصبحت الدولة الأردنية على قناعة تامة بأن علاقتها بما يسمّى بالمؤسسات الأمنية والعسكرية في "إسرائيل" لم تقدم أي مساهمة جوهرية في الحد من تلك الإحراجات التي سعى نتنياهو لإنتاجها في وجه الأردنيين.
لذلك استوجب الرد والتصرف خصوصاً بعدما لفت خبير أمني إستراتيجي النظر إلى أن نص ترجمة المكالمة الهاتفية مع القاتل بعد دقيقتين من عبوره الجسر الأردني للغة العربية وتوزيعه على الإعلام فوراً، لا يمكن إلا ان يكون عملاً إستخباراتياً إسرائيلياً منظماً ليس ضد الشعب الأردني بل ضد مؤسسة النظام في عمان.
دلالة ذلك بسيطة، فمؤسسات الأمن "الإسرائيلي" التي يتعاون معها الأردن في سوريا والعراق، وبقضايا الإرهاب تخلت عن المؤسسة الأردنية في لحظة حرجة ولم تفعل شيئا يقابل الخطوة التي أتخذت بالسماح للقاتل بالمغادرة، بعد بيان أمني رسمي يدين عملياً الضحية وهو يتحدث عن «مشاجرة».
لا بل لم تعترض مؤسسات الأمن "الإسرائيلي" على حكومة نتنياهو وهي تحرض الشارع على الحكومة بالأردن وتتسبب بسيل من الإحراج بدأ مع إعلان نتنياهو عدم وجود صفقة مع عمان، ثم تأكيده ان رفع البوابات الإلكترونية لا علاقة له بملف جريمة السفارة، إلى استقباله القاتل وسط أضواء الكاميرات وتسريب مضمون منسوخ بالعربية لإتصاله الهاتفي معه عند الجسر دون أدنى إحترام للجار الأردني المتعاون قبل توزيع صورالقاتل وهو يحتفل مع عشيقته بأمر علني من نتنياهو.
في الأثناء كانت «تقارير الميدان» المحلية تقول بلغة يفهمها صنّاع القرار معطيات في غاية الحساسية أهمها: وزراء ومسؤولون كبار لا يستطيعون الاختلاط بالناس.. فالإحباط الشعبي شديد ووصل لمستويات غير مسبوقة، تصاعد الهتاف بالشارع ضد حكومة هاني الملقي، والمؤسسات كلها مرتبكة وسقف الكلام في الشارع وصل لمناطق محرمة، وثمة أدلة وقرائن على ان الاستخبارات "الإسرائيلية" ساعدت في إنتاج صفعات نتنياهو.
المعطيات نفسها قالت أيضاً أن الشعور يتنامى وسط المواطنين بأن الدولة الأردنية لا توفر لهم الحماية، والأمريكيون حققوا بضغطهم إنجازاً يقدم لنتنياهو سُلّماً للنزول عن الشجرة فيما يصعد بحكومة الأردن إلى شجرة موازية.
والأهم محلياً تفاعلت التقديرات التي تقول بأن حجم ومستوى تمثيل الإجتماع المقبل لقبيلة الحويطات على خلفية قصة الجندي الأردني معارك أبو تايه قد يتصاعد لدرجة تقلق الدولة.
لكل تلك الأسباب كان لا بد من الرد بلهجة شرسة بدءاً بوصف الطراونة لما حصل بأنه «جريمة» وليس مشاجرة كما قالت مديرية الأمن العام سابقا، ثم تعهده بأن دم الشهيد في رقبة الدولة، وتواصلت شراسة الرد ووصلت لحد حديث الصفدي عن «العار الإسرائيلي»، ثم الفيتو على عودة طاقم السفارة إلى ان يحاكم القاتل عملاً بإتفاقية فيينا نفسها، في رسالة مرجعية تقول ضمناً للإسرائيليين بأن عمان مستعدة مقابل «إهانات نتنياهو» للذهاب إلى اقصى مدى.
بسام البدارين/«القدس العربي»
