وكالة القدس للأنباء – خاص
لا يتوانى الصهاينة عن استخدام الكذب وتزييف الحقائق، ولا سيما أمام الرأي العام الغربي، إزاء كل ما يتعلق بفلسطين وشعبها وقضيتها. كما لا يترددون في استغلال الأحداث بهدف التحريض ليس على الفلسطينيين فحسب، بل ضد كل شخص أو مؤسسة يشتمون منها رائحة موقف يتعارض مع الرواية الصهيونية المفبركة.
وإزاء ما يجري، حالياً، في المسجد الأقصى الشريف، حيث اتخذت حكومة نتنياهو قراراً بعدم إزالة البوابات الإلكترونية عن مداخل الأقصى، واضعة فلسطين والمنطقة أمام خطر حرب دينية يحلم بها اليمين المتطرف منذ سنوات، نشطت الأقلام الصهيونية في التحريض وبث سموم الأخبار الكاذبة إزاء ما يجري في الأقصى.
فقد صرح سفير إسرائيل لدى (الأونسكو) في باريس، كارمل شامة هاكوهن، أمس الخميس، أن "الأونسكو شريك كامل في التحريض الكاذب الذي يقوم به الفلسطينيون والإسلام المتطرف، الذين يدعون أن المسجد الأقصى في خطر".
وتولى الصهيوني آرون كلاين، عبر مقال له، اليوم الجمعة، على موقع بريتبارت اليميني في الولايات المتحدة، وهو الموقع الذي ناصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وصوله إلى الرئاسة، إيصال الرسالة إلى الشعب الأمريكي.
كتب كلاين: "وقع هجوم يوم الجمعة [الماضي] بعد أقل من أسبوعين من إصدار منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة قراراً مناهضاً لإسرائيل يعلن أن مدينة القدس القديمة وجدرانها القديمة مواقع "محتلة" وأدرجت المناطق كمناطق تراثية فلسطينية في "خطر". وأضاف: "يقع جبل الهيكل [وهو الاسم الصهيوني للمسجد الأقصى المبارك] في البلدة القديمة في القدس. ووقع هجوم يوم الجمعة الماضي بالقرب من بوابة الليونز، وهي جزء من جدران القدس القديمة التي حددتها الأونسكو".
ويضيف: "وقع الهجوم الإرهابي بعد أسبوع واحد من صدور قرار آخر مناهض لإسرائيل بشأن قبر البطاركة في الخليل - الذي يعتبر ثاني أقدس موقع في اليهودية بعد جبل الهيكل - مدعياً أن القبر تراث عالمي "فلسطيني"، في خطر".
الكذب الذي يمارسه كلاين يتعارض مع حقائق التاريخ. فلطالما كان المسجد الأقصى في صلب الصراع مع العدو الصهيوني، نظراً لإدراك الشعب الفلسطيني للمخططات التي تستهدفه. ومنذ ما قبل قيام كيان العدو، أي في عام 1929، شهدت فلسطين ثورة عرفت باسم "ثورة البراق"، في مواجهة أكاذيب صهيونية بأنه موقع أثري. وفي عام 2000، انفجرت "انتفاضة الأقصى" التي استمرت أكثر من خمس سنوا، إثر دخول آريئيل شارون، إلى باحات المسجد. فالموقف الفلسطيني في الدفاع عن المسجد الأقصى وحمايته من المؤامرات الصهيونية لا علاقة له بقرارات الأونسكو، لا من قريب ولا من بعيد. وهي بالمناسبة ليست قرارات جديدة، إذ أن أدراج مجلس الأمن ممتلئة بقرارات تقر بأن المسجد الأقصى، وحائط البراق أيضاً، هو موقع عربي إسلامي.
على أن كلاين لا يكتفي بالتحريض ضد الأونسكو وحدها، بل يلجأ إلى التحريض ضد الفلسطينيين المحتجين على الإجراءات الصهيونية، فيقول: "يزعم المصلون المسلمون أنهم يحتجون على قرار الحكومة الإسرائيلية تركيب أجهزة للكشف عن المعادن عند مداخل الجبل.. ويدعي قادة الاحتجاجات، بمن فيهم كبار المسؤولين الفلسطينيين، أن أجهزة الكشف عن المعادن هي جزء من مؤامرة إسرائيلية لتعطيل العبادة الإسلامية في جبل الهيكل".
ثم يضيف: "يبدو أن الناشطين والمسؤولين الفلسطينيين لم يلحظوا أن الإجراءات الأمنية الإسرائيلية الجديدة جاءت رداً على الهجوم الإرهابي الفلسطيني الذي وقع فى الجبل الجمعة الماضية، حين قام ثلاثة مهاجمين بتهريب الأسلحة بطريقة ما إلى الموقع. وستحمي أجهزة الكشف عن المعادن جميع زوار جبل، بما في ذلك المصلين المسلمين".
وهكذا يقفز كلاين فوق سلسلة من القرارات العدوانية التي اتخذتها الحكومة الصهيونية على مدى السنوات الماضية، تريد من ورائها فرض سيطرتها الكاملة على المسجد الأقصى، وفرض اقتسامه زمانيا ومكانياً، ووضع يدها عليه والسيطرة عليه بالكامل. هو لا يقول شيئاً حول الجماعات اليهودية التي تروج لإعلانات هدم المسجد وإقامة الهيكل المزعوم، الذي لم يعثر الصهاينة على أثر له بعد عقود طويلة من البحث والتنقيب. كما لا يقول شيئاً عن الاقتحامات اليومية التي يمارسها يهود بحماية رجال الشرطة الصهيونية. ولا يقول شيئاً أيضاً عن الإجراءات المذلة والمهينة التي يلقاها المصلون المسلمون من الشرطة الصهيونية، والتي بثتها وكالات الإعلام في العالم أجمع، والتي كانت هي السبب المباشر للعملية التي حصلت يوم الجمعة الماضية.
بل يزعم الكاتب الصهيوني أن "الناشطين الذين يحتجون في جبل الهيكل، يتجاهلون أن أجهزة الكشف عن المعادن تستخدم منذ سنوات بخصوص المصلين اليهود والمسيحيين الذين يقصدون الجدار الغربي [وهو الاسم الصهيوني لحائط البراق]. كما أن المسلمين يمرون في رحلات الحج من خلال أجهزة الكشف عن المعادن في المطارات والمعابر الحدودية".
ويضيف: "اتهام إسرائيل بأنها تعيق وصول المسلمين إلى جبل الهيكل تناقضه الحقائق على الأرض. تسمح إسرائيل للأوقاف التي يسيطر عليها الأردنيون بدور الوصي على جبل الهيكل، ومنح المصلين المسلمين إمكانية الوصول إلى جبل 24 ساعة يومياً، سبعة أيام في الأسبوع، باستثناء حالات التهديدات الأمنية النادرة".
هو لا يستطيع أن يأتي بصورة واحدة تثبت مزاعمه هذه، وأن اليهود الذين يعتدون على المسجد تتم معاملتهم بنفس الطريقة المهينة التي تتم بها معاملة المسلمين. الحقيقة هي أنهؤلاء المعتدين يقتحمون الأقصى بحماية رجال الشرطة المدججين بالأسلحة، وبمواكبة أمنية رسمية.
ثم إن الأردن نفسه، الذي يستشهد به كلاين، قد احتج مراراً على الإجراءات في المسجد الأقصى، وهي إجراءات تتنافى مع الاتفاقات بين الجانبين. كل هذه الحقائق يخفيها كلاين عن قرائه، بهدف تزييف الحقائق.
ويصل كذبه إلى ذروته عبر ادعاء أن "الزوار اليهود والمسيحيين ممنوعون من قبل الأوقاف من زيارة الجبل باستثناء الجولات الصغيرة لمدة ساعتين يومياً. لا تسمح الأوقاف لغير المسلمين بالصلاة على الجبل أو إحضار الأشياء المقدسة إلى الموقع؛ في حين أن الصلاة الإسلامية غير مقيدة. ويرصد ممثلو الوقف عن كثب الزائرين غير المسلمين إلى الموقع، ومن المعروف أنهم يقومون بركل من يؤدون الصلاة منهم".
أي صحفي عمل في القدس لمدة أسبوع واحد يعرف تماماً أن كلاين كاذب، وأن أجهزة الشرطة الصهيونية تخضع المصلين المسلمين للتفتيش عبر عشرات الحواجز التي تعيق وصولهم إلى باحات المسجد، ولطالما يتم حرمان من هم دون الخمسين من العمر من الصلاة في المسجد.
قسم من الرأي العام الغربي يطرب لافتراءات من هم أمثال هاكوهن وكلاين، ذلك انهم يرون في الكان الصهيوني حلماً مقدساً تنبغي مساندته. غير أنه يجدر بكل عربي ومسلم وغيور على المقدسات، وفي مقدمتها المسجد الأقصى، أن يكشف صناعة الكذب والتضليل هذه، كي لا تتحول الافتراءات إلى حقائق!
