المعارك دائماً ما تثقل القلب، حيث يغيب العقل ويغلب على المتقاتلين روح الأنانية وحب النصر، وإذا غيب الإنسان عقله الذي يميزه عن غيره من المخلوقات طغى وتجبر وجر المآس عليه وعلى غيره.
قصص الحرب تروى دائماً من خلال المعارك وعدد القتلى والجرحى، لكن عندما يرويها المتضررون منها فهي تأخذ بعداً آخر، وتصبح حقيقية أكثر.المعارك هدفها قتل الإنسان، ولا سيما حين تكون معارك عبثية. وفيها تحدث الكثيرمن القصص التي تدمي القلوب.
القصص المأساوية في عين الحلوة لا تنتهي.. وربما كان لكل ساكن في هذا المخيم قصصاً على عدد سني حياته. وأكثر هذه القصص مأساوية هي تلك التي تحدث أثناء المعارك، وما أكثرها.
إحدى هذه القصص، هي لشاب أنهى دراسته الثانوية وتعلم الإلكترونيات في معهد سبلين الجامعي. وككلشاب من أقرانه، حلم بحقه الطبيعي في تكوين أسرة صغيرة مع نصفه الآخر.
الشاب محمود عبد الغني، من حي الطيري في مخيم عين الحلوة، عايش مأساة الاشتباكات الأخيرة التي حصلت بين حركة "فتح" ومجموعة بلال بدر، والتي أوقعت العديد من القتلى والجرحى، وخلفت دماراً كبيراً في المنازل والمحال التجارية.
يروي عبد الغني قصة بيته المدمر في حي الطيري، جراء المعارك التي لا تميز بين الأهالي، لـ"وكالة القدس للأنباء"، فيقول:"بنيت بيتي بعد معاناة كبيرة، وبعد أن رضيت بمعاشات قليلة، وأنا متعلم وأنهيت علمي بالمدرسة وكلية سبلين.بداية أشتغلت في مجال الإلكترونيات بمعاش قليل، بعدها، عملت بمجال البناء مع عمي، إلى أن تمكنت من إعمار منزلي، لكي أستطيع أن أخطب وأتزوج من حبيبة عمري ياسمين، وبالفعل تمت الخطبة، وأنهيت منزلي".
وتابع: "لما اشتغلت بيتي بحي الطيري اشتغلتو على أساس الأمن والأمان والاستقرار في المخيم، فأشتغلت ديكورات وجفصين، ونظام كهرباء سوبر دلوكس، وواجهات ألمنيوم، فكلفني البيت مبلغ كبير بالنسبة لمخيم عين الحلوة، أكثر من 42000 دولار أمريكي".
وأضاف: "خلال 3 سنوات بنيت بيتي أنا وخطيبتي إيدي فيإيدها، ومعاشي على معاشها، بدون مساعدة أحد، تزوجنا، ولكن بعد شهر من زواجنا ابتليت بمرض يصيب شخص من أصل مليون، هو تلف بأعصاب الدماغ، وصار عندي تلف بأعصاب يدي ورجلي.تعالجت لمدة سنة، والعلاج كلف كتير بمستشفى غسان حمود بصيدا، وبعدين ربي أكرمنا ببنتين فرح وسالي، إلى أن حصلت المعركة بين "جماعة بدر" وحركة "فتح"، وكان بيتي ضحية بالمعركة،بعد ما أمضينا بتأسيسه ثلاث سنوات".
يتنهد عبد الغني، قبل أن يضيف لـ"وكالة القدس للأنباء": "الحمد الله على كل شيء، كل شي أسسناه أنا وخطيبتي بسنوات انتهي بلحظات، خلال معركة لا تميز بين مدني وعسكري، ولا جاني وضحية".
وعن الاشتباك الذي حصل، والمأساة التي عانت منها عائلته خلال المعركة في حي الطيري، يقول عبد الغني: "لما بلشت المعركة، قلنا إنو قتال شوارع، وبينتهي بعد ساعتين، فنزلنا على الطابق السفلي لحد ما تخلص المعركة. طلع في قرار سياسي إنو ينهي المنطقة. تحاصرنا بالبيت أنا و2 من أولاد عمي ومعانا 11 شخص ما بين أطفال ونساء، ما عرفنا شو بدنا نسوي، صار في قصف، سبب حالة خوف للأطفال والنساء".
ويكمل: "بالأول، انحرق بيت عمي أبو سامر.. طلعنا لنطفيه بلشت القذائف تنزل علينا، فرجعنا نزلنا على الطابق السفلي. ولما اشتدت المعارك، أجينا بدنا نطلع من البيت اللي محاصرين فيه، فكان الضرب مستهدف جميع مداخل البيت، فكسرنا الحيط اللي بيفصل بين المبنى اللي نحنا فيه ومبنى الجيران، وهربنا من الزاروبة ومعنا 6 أشخاص وحجة مقعدة مكسور حوضها، توفيت بعد الاشتباك، فقمنا بفك باب خزانة وحطينا الحاجة وربطناها وحملناها بالطريق لحتى أجا الإسعاف وأخذ الحجة، وكمان تبهدلنا مع الأطفال اللي كانوا يبكوا وخايفين".
انتهى الاشتباك بعد عدة أيام، إلا أن مأساة الأهالي لم تنته. وما زاد الطين بلة تدمير بنايات وبيوت بأكملها، فأضحت الكثير من العائلات بلا مأوى، بعد أن فقدت مساكنها، ولا سيما في ظل اكتظاظ المخيم بساكنيه أصلاً، وهو البقعة الأكثر كثافة في العالم.
عن فترة ما بعد انتهاء المعركة، ودمار مسكنه، يصف عبد الغني معاناته لـ"وكالة القدس للأنباء": "بعد الاشتباك، قعدت أنا ومرتي وبناتي عند أخوي شهر، بعدها قررت أنو أطلع من عند أخوي، بس ما قدرتي أنو استأجر، كوني كنت أتعالج وصحتي ليست بخير، فصلحت البيت اللي كان لأهلي في حي الطيري، وسكنت فيه أنا وعائلتي، على الرغم من أنه غير صالح للسكن، وبعد شهر صار في ماس كهربا بالبيت واحترق البيت اللي آوانا بعد ما احترق وتدمر بيتنا القديم، وبهاي الحالة خسرت كل شي عندي، وما ظل شي عندي إلا مرتي وبناتي ورحمة الله".
قد تكون قصة هذا الشاب أقل وطأة من قصص غيرها تركتها المعارك وراءها، ولكنها بالنسبة إليه أكبر مأساة.
فكم من منازل تدمر في كل معركة.. وكم طفل يُتّم أو تناثرت أشلاؤه في اشتباكات بين الأحياء والزواريب ليس لأبناء شعبنا فيها ناقة ولا جمل! وكم من أمهات ثكلت.. وأرامل فقدن أزواجهن أو فلذات أكبادهن من أجل أن يُرضي هذا الطرف؟!.
هي معارك دميمة ومذمومة.. لامنتصر فيها سوى الموت، الكل فيها خاسر، ولاسيما حين تذبح فيها القيم وإنسانية الإنسان. وأياً تكن الذرائع والمبررات التي ترتكب باسمها مثل هذه المعارك، إلا أنها تبقى عقيمة في تبرير ترويع الآمنين، وقتل الأبرياء، وإضافة مآس جديدة إلى مآسي شعبنا.