منذ نكبة العام 1948 وحتى يومنا هذا، تسعى حكومات العدو الصهيوني وتعمل بكل طاقاتها وإمكانياتها لطمس معالم الهوية الوطنية والقومية للشعب الفلسطيني وثقافته العربية الإسلامية، في محاولة لشطب الرواية الفلسطينية وتكريس الرواية الصهيونية للصراع العربي الصهيوني، وتاريخ فلسطين... وتعتبر عمليات السطو وسرقة الموروث الثقافي والفكري والتراثي الفلسطيني وسيلة الصهاينة لإخفاء الدلائل والوثائق التي تثبت الحق المطلق والكامل للشعب الفلسطيني على الأرض المحتلة، تمريرا للمزاعم والأكاذيب والروايات المفبركة لارتباط اليهود بهذه الأرض المقدسة، التي نفى كل علماء الآثار بمن فيهم الصهاينة وجود أي أثر في باطن الأرض الفلسطينية يؤكد مزاعم الصهاينة وخرافاتهم.
فكانت البداية عام 1948، عندما نهبت العصابات الصهيونية عشرات آلاف الكتب والمخطوطات التي احتوتها المكتبات الفلسطينية بالقدس في العام نفسه. الأمر الذي أكده الباحث "الإسرائيلي"، غيش عميت، في كتابه "بطاقة ملكيّة: تاريخ من النهب والصون والاستيلاء في المكتبة الوطنية الإسرائيلية"، والصادر عن "المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية".
وزعم اللصوص الصهاينة أن عمليات النهب والسطو المبرمجة للموروث الثقافي والحضاري الفلسطيني ينبع من "العمل المعرفي الذي لا بد وأن يقدر"، فيما اعتمدت الخطابات الصهيونية على مدارالسنين على التضليل في تبريرها للسرقة، حيث أشيع كذباً أن "سرقة هذه المكتبات كان لحماية كتبها من التلف والضياع"، وذلك وفقاً للباحث عميت الذي لجأ لاعترافات بعض من ضلعوا فى ارتكاب عمليات السرقة.
من هذا المنطلق، استخدم شلومو شونمي أحد العاملين في المكتبة، والذى ترأس حملة نهب الكتب، مصطلح "بيت الكتب القومي" ليبرر فعله، قائلا:"دبر بيت الكتب عملية واسعة لإنقاذ الكتب من التلف، في الأحياء العربية المهجورة، ونتيجة لذلك، جمعت عشرات آلاف الكتب، وهي محفوظة كوديعة إلى حين التيقن من مصيرها".
وكررت العصابات الصهيونية فعلتها الدنيئة في صيف العام 1982 بالعاصمة اللبنانية، عند اجتياحها لبيروت بعد خروج قوات "منظمة التحرير الفلسطينية" منها، مستهدفين "مركز الأبحاث الفلسطيني"، المعروف بـ "عقل الثورة الفلسطينية"، بكل ما يحوى من كتب منشورة ومخطوطات وخرائط ووثائق أرشيفية مصورة وتسجيلات وأفلام لم تنشر، حملتها بعشرات الشاحنات من بيروت إلى وزارة الدفاع الصهيونية في "تل أبيب".
إلى ذلك، كشفت المؤرخة "الإسرائيلية" رونا سيلا النقاب عن "قطرة من بحر" من هذه المواد الأرشيفية الفلسطينية، حيث أكدت أنه في مخازن أرشيف الجيش الصهيوني في منطقة تدعى "تل هاشمور" ما يقرب من 38 ألف فيلم، و2.7 مليون صورة فوتوغرافية، 96 ألف تسجيل صوتي، و46 ألف خريطة تثوي في مخازن الجيش الصهيوني الذي سرقها أثناء اجتياحه لبيروت، ومناسبات سطو واقتناص أخرى على مدار أعوام احتلال فلسطين.
ومؤخراً، أقرّت "المكتبة الوطنية الإسرائيلية" في ردها على استجواب قدمه النائب عن "القائمة العربية المشتركة"، يوسف جبارين، أن "بحوزة المكتبة ثمانية آلاف كتاب تعود ملكيتها للفلسطينيين، كانت القوات الصهيونية قد استولت عليها ونقلتها من البيوت والمكتبات الفلسطينية خلال النكبة عام 1948 وبعدها".
وقد جاء في رد نائب وزير المالية، يتسحاق كوهين، على استجواب جبارين انه "يتم الاحتفاظ بهذه الكتب في المكتبة تحت عنوان "أملاك متروكة"، لكن كوهين تهرّب من الإجابة على السؤال حول مصير آلاف الكتب والمخطوطات الفلسطينية الاخرى التي استولت عليها القوات الصهيونية، واذا ما تم احراق كتب فلسطينية عام 1948"، مدعيًا ان "القيّم على أملاك الغائبين في وزارة المالية لا يملك معلومات حول مصير كتب أخرى".
وفي رده على سؤال جبارين لماذا لا تعيد المكتبة هذه الكتب لاصحابها الأصليين، قال نائب الوزير انه "من الممكن تحرير هذه الكتب بحسب تعليمات قانون املاك الغائبين واعادتها الى اصحابها، اذا ما اثبت صاحب الكتب ملكيته الخاصة لهذه الكتب".
وعلق جبارين على الرد الصهيوني، قائلاً إنه "سيتابع قضية هذه الكتب بالتنسيق مع الهيئات التمثيلية الوطنية الفلسطينية، وإمكانية استعادتها لتكون ملكًا للفلسطينيين"، مضيفاً أن "النكبة الفلسطينية شملت سرقة عشرات آلاف الكتب الفلسطينية النفيسة والفريدة من بيوت الفلسطينيين ومكتباتهم".
وتابع جبارين: "لقد تمت أعمال نهب هذه الكتب تحت حماية جنود العصابات اليهودية والجيش الإسرائيلي، اذ تمت سرقة مكتبات كاملة لعائلات فلسطينية ولكتاب وأدباء فلسطينيين، مثل المكتبة الخاصة لخليل السكاكيني، ومكتبة آل نشاشيبي، عدا عن مكتبات ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة، والمدارس والمساجد الكنائس."