/مقالات/ عرض الخبر

المال لشراء الذمم

2017/06/04 الساعة 07:52 م
دولار
دولار

قبل اسبوعين، طالبت النروج استعادة أموالها من السلطة الفلسطينية، لأن المركز النسوي في قرية برقة الذي موّلته أطلق عليه اسم الشهيدة البطلة دلال المغربي. وكذلك فعلت الأمم المتحدة، التي قررت وقف تمويل المركز لنفس السبب. وبعد النروج، جاء دور الدانمارك ليوقف تمويل جمعيات ومنظمات غير حكومية فلسطينية، كونها تدعم حملة المقاطعة لدولة العدو، أي "تحرّض ضده". يشير بيان وزارة الخارجية الدانماركية، في الختام أن "علينا أن نكون واثقين من أن المساعدات الدانماركية تسهم في الدفع بحقوق الانسان في المناطق الفلسطينية".

بغض النظر عن مفهوم الغرب لحقوق الانسان ومن هو الإنسان الذي يجب دعم حقوقه، فالتمويل الغربي للسلطة الفلسطينية وللجمعيات غير الحكومية، كان دائما مقيّدا بشروط، والشرط الأول هو المحافظة على أمن الكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين. رغم أن دولتي النروج والدانمارك لم يسبق لهما ان احتلتا أراضي في العالم ومارستا سياسة استعمارية، كما فعلت دول أوروبية أخرى (بريطانيا، فرنسا، ايطاليا وبلجيكا على سبيل المثال)، إلا أن تمويلهما للمشاريع "التنموية" استجابت لمصالح الغرب أولا، وهي مصالح مرتبطة بوجود الكيان الصهيوني وتفوّقه على المنطقة، مع ترك هامش بسيط للدول العربية إذا ناضلت من أجل ذلك. الدول الغربية لا تؤيد مبادئ الحرية والكرامة للإنسان العربي، لا سيما وإن هذه المبادئ تتعارض مع وجود كيان استيطاني لا يريد من الفلسطيني أو العربي إجمالا إلا أن يكون خاضعا ذليلا متوسلا. ولكن ما علاقة ذكرى الشهيدة البطلة دلال المغربي بأمن الكيان الصهيوني ؟ لماذا هذه الحملة على الوعي التاريخي الفلسطيني، بمشاركة الأمم المتحدة، عبر الأونروا وغيرها من وكالاتها، التي لم تعد تتحمل ذكر الشهداء وتكريم الأسرى والعودة الى جذور القضية الفلسطينية، النكبة وما سبقها من مجازر وتشويه للأرض التاريخ، وما تلاها من حروب وسرقة الأرض وتشويه معالمها؟

العلاقة هي الأزمة الوجودية التي يعاني منها الكيان الصهيوني، رغم ابتلاعه للأرض وسيطرته الأمنية على فلسطين وجزء من المنطقة العربية، ورغم تحويل شريحة من الشعب الفلسطيني الى خادم له، عبر اتفاقيات أوسلو والاتفاقيات الاقتصادية والمالية الملحقة، ورغم التنسيق الأمني والتعاون مع المحتل لمنع المقاومة، والتطبيع العلني بين شريحة فلسطينية وعربية من جهة والصهاينة من جهة أخرى. رغم كل ذلك، ولأن هذا الوضع طارئ وهش، لا يرتكز على أسس ثابتة، يريد الكيان وأعوانه تغيير فهمنا للتاريخ وللصراع ولم يعد يكتفي بسلاحه وإرهابه. وذلك لأن رغم تحكّم "المجتمع الدولي" بكافة جوانب الحياة في أراضي الحكم الذاتي، لا سيما في الإشراف وصايغة مناهجه التربوية، ما زال الشعب الفلسطيني يذكر شهداءه ويدعم أسراه ويواجه المحتل بما يملكه من أسلحة، نارية أو غير نارية. لأن رغم الهجمة الغربية الشرسة ضد التاريخ الفلسطيني المشرّف بشهدائه وبطولاته ومعاركه ضد الاحتلال البريطاني والوجود الصهيوني، لا يزال الشعب الفلسطيني وأجياله الصاعدة متمسك بحقه الشرعي والتاريخي بوطنه، ولأن رغم تصاعد أصوات الفلسطينية وعربية مطالبة بإيجاد صيغ تعايش مع المحتل، لا يزال الشعب الفلسطيني يرفض السعي وراء أوهام، حيث يقول له وعيه التاريخي أن لا مكان للمحتل على أرض فلسطين العربية، وأنه طالما بقي الكيان المحتل، سيُواجه بكافة الوسائل المتاحة حتى إزالته نهائيا.

الأزمة الوجودية التي يعيشها الكيان الصهيوني، رغم الإعتراف الرسمي العربي بوجوده والتطبيع معه، لها علاقة بالوعي والذاكرة وانتقالهما من جيل الى جيل، ومن الساحة العربية الى الساحة الغربية، وهي الساحة التي ساهمت في الماضي بإقامة الكيان الاستيطاني في فلسطين، رسميا وشعبيا. أسقطت المقاومة الفلسطينية اسطورة الكيان السلمي والمهدَّد من قبل "الوحشية" و"الإرهاب" الفلسطيني، حيث يشاهد العالم منذ سنوات الوحشية والإرهاب الصهيوني في غزة والضفة ولبنان، كما يشاهد غول الاستيطان والاقتلاع على كافة الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في النقب، بفضل صمود أهل العراقيب. لم يعد الإعلام الرسمي الغربي الصهيوني هو من يتحكم بعقول الناس، وما يخشاه الصهاينة، هو انتقال الصراع الى منشأه، الى الدول الغربية، بين الفكر الاستعماري الصهيوني المعادي للإسلام، من جهة، والفكر المتحرر من الأكاذيب التي سوّقت والأساطير التي صيغت حول اليهود و"دولة اليهود". فانتقال الصراع الى الدول الغربية يعني المزيد من قمع الحريات (حرية التعبير وحرية المشاركة السياسية) وسقوط الديموقراطية التي تتغنى بها هذه الدول لفرض هيمنتها علينا.

تعتقد الدول الغربية أن مالها يستطيع تغيير الوعي ومحو الذاكرة، كما تعتقد الأونروا أن تغيير المناهج التعليمية سيولد جيلا فلسطينيا جديدا يتعايش مع الذل والأساطير والأوهام، وأن الوضع العربي المتهاوي يسمح لهم بابتزاز شعب يبتكر يوميا وسائل وطرق لمواصلة مقاومته وصموده، شعب يعرف تماما معنى إحدى كلمات الشهيد فتحي الشقاقي : "قليل من العناد والصبر ينفلق الصخر، والذي ينتظرنا ليس هو الموت إنه الحياة أو النصر ".

 

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/111310

الأخبار الرئيسية

الأكثر قراءة