ليست صدفة أن يكثر مؤخراً كل من رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو والمبعوثة الأمريكية لدى الأمم المتحدة نيكي هايلي الإنذارات لكل من يحمل على «إسرائيل» في الأمم المتحدة والمحافل الدولية. كما أن هذه الإنذارات أتبعت برسالة إجماع من مئة سيناتور أمريكي بوجوب تغيير المنظمة الدولية لسياستها تجاه الكيان الصهيوني. ويذهب كثيرون إلى أن أحد أهم اشتراطات قبول الإدارة الأمريكية بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس هو موقفه من "إسرائيل".
لقد ابتهجت الإدارة الأمريكية جداً عندما منح مجلس الأمن الدولي «ثقته بالإجماع» لغوتيريس معتبرة ذلك «لحظة تاريخية». وتباهت المبعوثة الأمريكية هايلي أمام مؤتمر اللوبي الصهيوني، «إيباك» الأخير بأنها تولت المنصب لا لهدف إلا لصفع كل من يتجرأ على «إسرائيل» في الأمم المتحدة. وهذا ما يجعل من مواقف غوتيريس تجاه القضية الفلسطينية نوعاً من الاستمرار في تقديم «أوراق اعتماد» لدى الإدارة الأمريكية. فهو شديد الوضوح في انتقاداته لمعارضي «إسرائيل» وهو بالغ الغموض في مواجهته لتحدي الدولة العبرية الفظ للقرارات والقوانين الدولية.
ولم يخف غوتيريس انصياعه للتعليمات الأمريكية، حيث لم يترك فرصة لإعلان مواقفه من هذه المسألة. وصار غوتيريس، وهو اشتراكي برتغالي، أول أمين عام للأمم المتحدة، يلقي خطابا أمام الكونغرس اليهودي العالمي. ولم يفعل ذلك إلا بعد أن أثبت «ولاءه» بإعلان مواقفه العدائية للفلسطينيين من ثلاث قضايا مفصلية في مسيرة الصراع مع العدو الصهيوني، وهي المسجد الأقصى ومدينة القدس، وطبيعة النظام العنصري للكيان، وتوفير الحماية له داخل الأمم المتحدة. فقد زعم أن المسجد الأقصى كان معبداً يهودياً ورفض قرار اليونيسكو باعتباره إرثاً إسلامياً. كما تعهد، في خطابه أمام المنظمة اليهودية، بأنه سيتصدى لأي انحياز ضد الاحتلال «الإسرائيلي» داخل المنظمة الأممية. ووعد غوتيريس بأنه سيكون «في المقدمة» في الصراع ضد معاداة السامية التي حذر من أنها في تصاعد في أوروبا والولايات المتحدة، ووصف ذلك بأنه "غير مقبول بالمطلق".
وتعهد «بالحرص على أن تكون الأمم المتحدة قادرة على القيام بكل الإجراءات الممكنة لإدانة معاداة السامية، ومحوها عن على وجه الأرض إذا أمكن ذلك». وقاطع الحضور في المؤتمر اليهودي خطاب غوتيريس الذي استمر 15 دقيقة بالتصفيق 11 مرة، حتى إنهم وقفوا له مصفقين في نهاية الخطاب.
وخاطب المؤتمر اليهودي العالمي في نيويورك قائلاً: «بصفتي أميناً عاماً للأمم المتحدة، أعتبر أن دولة «إسرائيل» تحتاج أن تعامل كأي دولة أخرى». وأضاف: "لقد أتيحت لي الفرصة لأظهر أنني جاهز للالتزام بهذا المبدأ، حتى عندما يجبرني ذلك على اتخاذ بعض القرارات التي تخلق بعض الحالات غير المريحة". ولم يكتف بتأكيد التزامه، بل تعهد بأنه «سيضمن التزام هؤلاء الذين يعملون تحت رئاسته بالمبادئ التي يعتبرها صحيحة".
وكانت هذه إشارة قوية للموقف الذي كان اتخذه عندما رفض تقريراً أعده خبيران دوليان لصالح منظمة «الاسكوا» التابعة للأمم المتحدة يكشف نظام التفرقة العنصرية الذي تنتهجه «إسرائيل» ضد الفلسطينيين في الأراضي المحتلة. وقد أثار موقف غوتيريس هذا ردود فعل صاخبة في المنطقة العربية بعد استقالة الدكتورة ريما خلف، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة والمديرة التنفيذية للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا) التي تتخذ بيروت مقرّاً لها وتضم 18 دولة عربية، بينها فلسطين. وتمت الاستقالة على خلفية تقرير أعده الأمريكيان ريتشارد فولك وفيرجينيا تيلي عن نظام الفصل العنصري (أبارتهايد) الذي تطبقه «إسرائيل» في الأراضي المحتلة. وفولك أستاذ القانون الدولي في جامعة «بريستون»، ورئيس سابق للمنظمة الدولية لحقوق الإنسان، كما أن تيلي أستاذة العلوم السياسية في جامعة ألينوي.
ورفض غوتيريس التقرير ونتائجه وطالب بسحبه من التداول وعدم اعتباره وثيقة لمنظمة دولية رغم استناده إلى وثائق ومعطيات. ولكن الإدارة الأمريكية التي كانت وراء انتخاب غوتيريس مارست ضغوطاً هائلة قادت إلى ما يمكن اعتباره فضيحة دولية. غير أن الواقع الدولي الراهن الذي يشهد هيمنة أمريكية على القرار الدولي ساعد في تمرير سحب التقرير وإخراجه من التداول.
ومعروف أن غوتيريس صدم العالم العربي والإسلامي عندما اختار الإذاعة «الإسرائيلية» ليجري معها مقابلة يعلن فيها موقفه من الحرم القدسي ويقول بتأكيد الصلة بين اليهود والحرم القدسي. ولم يتوقف عند العموميات بل أعلن تبنيه للموقف الصهيوني المبني على أسطورة "أن الهيكل المقدس في القدس الذي قام الرومان بهدمه، كان هيكلاً... يهودياً".
كما أن غوتيريس في تبن واضح للنهج الأمريكي الرامي إلى تكريس «إسرائيل» كدولة صاحبة حقوق متميزة وذات دور قيادي عرض تعيين وزيرة الخارجية «الإسرائيلية» السابقة تسيبي ليفني نائباً للأمين العام. وحاول تمرير هذا الاختراق القيادي للمنظمة الدولية بالتظاهر بالتوازن عبير تقديم ذلك ضمن اقتراح بتعيين رئيس الحكومة الفلسطينية السابق سلام فياض موفداً أممياً إلى ليبيا. غير أن موقف رئيس الحكومة «الإسرائيلية» بنيامين نتنياهو من خصمه الداخلي، ليفني، أفشل خطة غوتيريس ومنع هذا التعيين. ومن الجلي أن مثل هذه الاقتراحات والمواقف هي الترجمة الفعلية لما يسميه غوتيريس تطبيعاً للموقف الأممي من الدولة العبرية ينطوي على تقبل لعدم انصياعها للقرارات والقوانين الدولية.
ورغم كل مواقف وتصريحات غوتيريس فإن الكيان لا يكتفي بذلك ويطالب بالمزيد. وهو في هذا السياق لا يعلن مواقف وتصريحات بل يتخذ خطوات بينها التقليص المستمر في مساهمته في ميزانية الأمم المتحدة. وللمرة الثانية خلال أشهر تخفض «إسرائيل» مساهمتها بمليوني دولار بعد أن كانت خفضت مساهمتها بستة ملايين دولار. وما رسالة أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي الأخيرة إلى الأمم المتحدة ورئيسها إلا تهديد إضافي بوجوب الانصياع للإرادة الأمريكية ومصالح «إسرائيل»، وإلا فإن أمريكا ذاتها سوف تخفض مساهمتها.
على أن أشد ما يثير القلق هو أن الجامعة والحكومات العربية لا ترى في مواقف غوتيريس ما يتطلب أكثر من توجيه الانتقاد وابتلاع الإهانات التي تمس ليس فقط مواقف هذه الدول، وإنما أيضاً الثوابت القومية لشعوبها.
حلمي موسى