الحاجة أم عماد مختار (75 عاماً) ، لجأت وعائلتها من مدينة حيفا هرباً من العصابات الصهيونية عام 1948 إلى مدينة صيدا جنوب لبنان،وهي في عمر الست سنوات، لتنتقل بعدها إلى دمشق لتمضي سنوات عدة هناك ، قبل أن تنزح مرة جديدة إلى بيروت بسبب الحرب ، لكن حلم العودة لم يفارقها مطلقاً، وقد عكسته على كل قطعة قماش خاطتها أو قطبة حبكتها، حفاظاً على تراث فلسطين.
كانت الحاجة وولدها عماد منشغلان في شرح التراث للمارة في سوق "أبو رخوصة" في قلب مدينة بيروت ، عندما شاهدتها صدفة تقول لأحد الزبائن :"هذه القطعة هي شغل يدوي من تراث بلدنا مش شغل مصنع وعليها علم فلسطين والقطبة فلسطينية ".
اقتربت منها وأنصت لحديثها الذي ركزت فيه على معروضاتها التراثية التي تحكي عن وجع اللجوء وحلم العودة إلى الوطن.
هذه الروح المعنوية التي اتصفت بها أم عماد شجعتني لفتح حوار معها، فأخبرتني عن مسار رحلتها وذكرياتها الجميلة في مدينة حيفا المحتلة، وعن عملها اليدوي التراثي ، فقالت لـ"وكالة القدس للأنباء":" طلعنا من حيفا وأنا بعمر الست سنوات، وكانت ستي تقول لأبوي خلي مفاتيح البيت معلقين على الحائط، عشان بس بدنا نرجع إلى فلسطين ما نضيعهن ونرجع بسرعة، كلها 15 يوم ومنرجع ".
وبابتسامة تخفي وراءها حرقة ومرارة السنين، أضافت:"ماتت ستي ولحقتها أمي وبعدنا ما رجعنا، بس أكيد رح نرجع واليهود رح نطلعهم من فلسطين، وأنا تعلمت الخياطة والقطبة منهم، وعلمت بناتي حتى إبني عماد فتح مشغل خياطة وأشغال وقطع تراثية، وجيل بعلم جيل وتراثنا ما بموت، لأنه نحن أصحاب الأرض وما رح نسمح لإسرائيل إنها تسرق تراثنا، وبدنا نرجع لفلسطين مهما طال الزمن ".
وصمتت الحاجة أم عماد قليلاً وهي تبيع أحد الزبائن بعض ما كان موجوداً على الطاولة من لباس تراثي وتحف فنية، ليكمل إبنها الحديث مؤكداً أن "كل ما هو موجود على طاولته هو من صنع أمهات الشهداء والنساء الفلسطينيات النازحات من سوريا ".
وأوضح مدير "جمعية يافا العودة"، عماد مختار لـ"وكالة القدس للأنباء" بأن هدف المشاركة في هذا السوق هو "كي نثبت للعالم بأننا أصحاب قضية من خلال معروضاتنا التراثية، والتي نسوقها للنساء اللواتي يعملن في مشغل الجمعية في مخيم مارالياس ".
وأضاف:" أردنا أن نشارك أشقاءنا اللبنانيين في عرض منتوجاتهم أيضاً كي نظهر أن هناك علاقة أخوية بين الشعبين اللبناني والفلسطيني، كما أن هناك كثيراً من التشابه بين التراثين".
وتمنت الحاجة أم عماد بأن يكمل ولدها مسيرتها في حفظ تراث فلسطين من الإندثار والعودة إلى حيفا كي تحيك ملابسها على صخور بحرها، فحلم العودة لديها يتوقف هناك.
التراث هو عنوان العودة والتمسك بالأرض والجذور، ويعتبر جيل أم عماد هو المؤتمن عليه، للتعريف به ونقله إلى الأجيال الحالية واللاحقة، وكانت مشاركة أم عماد في هذا السوق ترويجية لإنتاج أسر الشهداء وتقديم أعمال ذات بعد ومدلول سياسي وإنساني واجتماعي وإبداعي.