المصدر: ميدل إيست مونيتور، 4 أيار 2017، الكاتب: طلحة عبد الرزاق
في ما اعتبره المحللون خطوة استغرقت وقتاً طويلاً، كشفت حماس عن ميثاقها الجديد والمعدّل، يوم الإثنين الفائت، من العاصمة القطرية الدوحة. ووفقاً لزعيم حماس، خالد مشعل، فإن الميثاق الجديد للجماعة يأتي تعديلاً للميثاق السابق الذي بقي على حاله لمدة ثلاثة عقود تقريباً، ومن شأنه أن يضع الجماعة الإسلامية على مسار منسجم مع الفصائل الفلسطينية الأخرى بشأن مسألة إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967.
ومع ذلك، فإن التعديلات لا تخلو بدورها من جدل، وخاصة بالنسبة للبنود الأكثر تحفظاً في المعسكر المؤيد لفلسطين، حيث يبدو الآن أن حماس قد منحت إسرائيل اعترافاً فعلياً، في حين تحاول وضع إطار لقرارها باعتباره استمراراً للمقاومة الفلسطينية الشعبية، ضد "الدولة اليهودية" بوسائل أخرى.
التباس بين طريقين:
في حين يركز الكثير من النقاش حول الميثاق الجديد على اللغة التي اختارتها حماس والابتعاد عن ما تم وصفه منذ فترة طويلة بالخطاب المعادي للسامية، والذي حدّد اليهود كعدو بدلاً من الصهيونية، يبدو أن الميثاق الجديد للجماعة جزء من هجوم أكبر حجماً لتقريب الجماعة الإسلامية إلى التيار السياسي الدولي.
وكجزء من محاولتها لجعل نفسها أكثر استساغة للجمهور الدولي، قررت حماس أن توضح أنها مستعدة لقبول دولة فلسطينية على أساس الحدود المعترف بها دولياً، والتي أنشئت كخطوط ترسيم حدود قبل حرب الأيام الستة عام 1967، التي شهدت تحطيم إسرائيلي حاسم لتحالف من الجيوش العربية، خلال أقل من أسبوع، واحتلت المزيد من الأراضي الفلسطينية.
وكجماعة نادت طويلاً بتدمير إسرائيل، وتحرير كل الأرض الفلسطينية "من النهر إلى البحر" فإن الإعلان الوارد في المادة 20 من الميثاق الجديد، له تأثير الانطباع الأولي بأن حماس تعترف بإسرائيل. وعلى أي حال، وعلى النقيض من رفضها المتكرر "للكيان الصهيوني" وإسرائيل، فإن حماس لا تستطيع إقامة دولة على أساس الحدود التي أقيمت بعد حرب مع كيان غير موجود.
وعلى الرغم من أن حماس تحاول تليين لغتها بالقول إنها لا تعترف بشرعية إسرائيل - بدلاً من وجود الكيان السياسي نفسه - فهي غير متسقة في تطبيقه. فلإقامة دولتها المقترحة على حدود عام 1967، سيتعين على حماس أن تعترف بحق إسرائيل في الوجود، وإلا سيواصل المجتمع الدولي، بقيادة الولايات المتحدة، تهميشها.
وعلاوة على ذلك، يدعو الميثاق أيضاً إلى التحرير الكامل لجميع الأراضي الفلسطينية التي يحددها البند رقم 2 بأنها "تمتد من نهر الأردن في الشرق إلى البحر الأبيض المتوسط في الغرب ومن رأس الناقورة في الشمال إلى أم الرشراش في الجنوب"، أي بعبارة أخرى، جميع الأراضي التي تحتلها إسرائيل حالياً.
إجراء مرحلي
على هذا النحو، من الواضح تماماً، من خلال الوثيقة، أن القليل تغيّر بالنسبة لحماس، على الرغم من أنها قد تأخرت كثيراً، ورغم احتفائها كثيراً بالتغييرات في خطابها من خلال التمييز بوضوح بين اليهود والمشروع الاستعماري الصهيوني.
ترى حماس أن إقامة دولة فلسطينية على أساس حدود عام 1967 هي "صيغة إجماع وطني" الأمر الذي يمنحها ويمنح فصائل أخرى سبباً مشتركاً يمكن التفاوض من خلاله. ورغم أن مشعل لا يرى إمكانية مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في وقت قريب، فإن حقيقة اعتراف حماس بحل الدولتين في الوقت الذي يعتبره كثيرون ميتاً، أمر مثير للاهتمام، على أقل تقدير.
إن الاستدلال المباشر من ذلك، خاصة على ضوء دعواتها المتكررة للتحرير الكامل لجميع الأراضي الفلسطينية كما هو محدد أعلاه، هو أن حماس ترى في قيام دولة على حدود 1967 تدبيراً مؤقتاً، يسمح للفلسطينيين بدرجة من السيادة والسيطرة يمكن من خلالها تطوير قاعدة للسلطة.
وحماس غير واضحة في ما يتعلق بالخطوات التالية ضد إسرائيل في حالة تأسيس دولتها، ومن المرجح أن تكون هذه نقطة شائكة بالنسبة للمجتمع الدولي، وأداة سياسية يمارسها المفاوضون الإسرائيليون المراوغون الذين سيوجهون – وهم وجهوا بالفعل - الاتهامات بأن حماس ليست جادة في حل الدولتين، بل هي في الواقع تدبر حيلة.
وبطبيعة الحال، فإن مثل هذه المزاعم ستزداد من قبل إسرائيل التي لا تزال تصادق على بناء مستوطنات غير قانونية مخالفة للقانون الدولي ولقرارات مجلس الأمن الدولي؛ ولكن الحقيقة تبقى أن العلاقات والمفاوضات على مستوى الدولة هي مصلحة راجحة بشدة لإسرائيل، ويتعين على حماس التعامل معها.
سيتعين على حماس أن توضح كيف يمكنها تحقيق صيغة حل الدولتين دون الاعتراف بإسرائيل. وسيتعين عليها أيضاً أن تجيب عما إذا كانت ستختار طرقاً سلمية أو عسكرية لتحقيق نيتها المعلنة رسمياً بتحرير كل فلسطين. هذه الأسئلة لا تهم المجتمع الدولي فحسب، بل أيضا أنصار حماس الذين قد يشعرون بأن المقاومة اتخذت خطوة تراجعية على طريق الاعتراف غير المباشر بالمحتل.