قائمة الموقع

ملاحظات حول الانتخابات الرئاسية في فرنسا

2017-04-26T09:56:50+03:00
قصر الأليزيه
راغدة عسيران

أفضت الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية إلى إزاحة جون لوك ميلونشون المرشح اليساري الأكثر شعبية من بين التيارات المعارضة اليسارية، وإزاحة بونوا هامون المرشح الرسمي للحزب الإشتراكي الحاكم، وفرانسوا فيون المرشح اليميني الليبرالي. لم يبق في السباق إلا مرشحان، ماري لوبان زعيمة حزب "الجبهة الوطنية"، الممثلة لليمين المتطرف المدافع عن "الهوية الفرنسية"، وإيمانويل ماكرون المرشح المفضل لدى الرئيس الفرنسي فرانسوا أولند، وقسم من الحزب الإشتراكي المتصهين، ولدى جمهور يميني ليبرالي يرى في ماكرون فرصة لسيطرة المال والبنوك ومواصلة التدخل الفرنسي في الصراعات في العالم، من أجل "حفظ مكانة فرنسا".

لا شك في أن المرشح فيون قد واجه حملة إعلامية معادية من قبل المؤسسة الحاكمة أثرت على إزاحته عن السباق، كما تواجه اليوم ماري لوبان حملة من قبل هذه المؤسسة المسيطرة على الإعلام والاقتصاد والمرافق السياسية الحساسة في الدولة.  ويكفي قراءة بعض إصدارات صحيفة "لوموند" في الأسابيع الأخيرة من الحملة الإنتخابية لفهم تخوف هذه الفئة الحاكمة اليوم من إزاحتها أو تراجع نفوذها، في حال نجحت لوبان في هذا الصراع.  

تتساءل "لوموند" على سبيل المثال إذا كان يحق للموظفين في الدولة الامتناع عن العمل في حال وصل حزب لوبان الى السلطة، في حين كان الإعلام بكل اتجاهاته قد وصف وصوله الى السلطة بالكارثة الوطنية، بسبب الفوضى الشاملة التي ستلحق بالمؤسسات. إلا أن الحزب اليميني المتطرف استطاع، خلال حملته الإنتخابية، توضيح أن الفئة الحاكمة اليوم، إن كانوا من الإشتراكيين أو من اليمين الليبرالي، تنتمي الى نفس الطبقة الحاكمة منذ أكثر من أربعين سنة ولا تدافع إلا عن مصالحها الضيقة.

تمثل هذه الفئة طبقة المتسلقين والانتهازيين والمستفيدين من العولمة، ويصف بعض الفرنسيين ماكرون بالإنتهازي، كونه تسلق في الحزب الإشتراكي ليصل الى المراتب العليا، ثم أعلن عن ترشحه كمستقل، بدعم من رئيس الجمهورية الإشتراكي، أولند. إذ أن الحزب الاشتراكي تتجاذبه عدة تيارات، من اليمين الى اليسار في السياسة الداخلية، ومن الاستعماريين الى الموالين لنوع من الاستقلال في الدول "النامية"، في السياسة الخارجية، ومن الصهاينة الأكثر تشدداً الى الموالين للسلطة الفلسطينية وربما أكثر من ذلك، في خصوص الصراع العربي الصهيوني. وماكرون هو مرشح التيار اليميني الليبرالي المعولم والصهيوني المتشدد في الحزب الإشتراكي.

لم يصل الى لبنان خلال الحملة الانتخابية إلا مرشحين، ماكرون ولوبان. وينتقد البعض لوبان بأنها استغلت لبنان كمحطة للقاء الرئيس الامريكي دونالد ترامب، ولحملتها الانتخابية المعادية للإسلام، والإعلان عن موقفها "المحايد" في الأزمة السورية. أما ماكرون، فجاء الى لبنان للتأكيد على دعمه للكيان الصهيوني، عندما التقى بالجالية الفرنسية وما يحيط بها، كما نقلت صحيفة الأخبار اللبنانية في ذلك اليوم.

على هذا الأساس، يحظى ماكرون بالأفضلية في صفوف الصهاينة في فرنسا، يتبعه المرشح فيون. والجدير بالذكر، أن الإعلاميين والمثقفين الصهاينة لعبوا دورا مهما، قبل الانتخابات، في تأجيج الصراع حول "الهوية"، "الهوية الفرنسية الأصيلة" ضد هوية المسلمين والعرب بشكل خاص، والأجانب بشكل عام، وليس ضد "أمركنة" الثقافة الفرنسية أو تراجعها أمام الثقافات الأوروبية الأخرى.

لقد استطاع هؤلاء الصهاينة اللعب على الوتر الحساس، في هذه الظروف، والمشاركة الفعالة في الحرب الإعلامية ضد الإسلام والمسلمين، ناصبين أنفسهم من أشد المدافعين عن "الهوية الفرنسية النقية"، رغم ابتعادهم سياسيا عن حزب "الجبهة الوطنية" لماري لوبان، وذلك بسبب الهفوات المتكررة التي صدرت عن هذا الحزب حول "المحرقة".

أما بالنسبة لأصوات المسلمين الفرنسيين، وبالرغم من عدم وجود صوت إسلامي موحد، فإنه يميل نحو اليسار غالبا أو الوسط، أي الى مرشح الحزب الشيوعي ملنشون، أو مرشح الحزب الاشتراكي هامون أو حتى مرشح اليسار "المتطرف"، الذي لم يجتز الواحد في المئة من الأصوات في الجولة الأولى. ولكن بسبب الحملة المسعورة ضد المسلمين بشكل عام، وأحياناً بسبب الموقف من الأزمة السورية، حول التدخل أم عدم التدخل، دعم السلطة أم المعارضة، رفض عدد كبير من المسلمين الإدلاء بأصواتهم والمشاركة في الانتخابات. فاعتبروا أنفسهم خارج اللعبة.

ولكن، في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، هل ستندفع أصوات المسلمين الى جانب الصهاينة وليبراليي العولمة وأوروبا للدفاع عن "قيم الجمهورية" والفئة الحاكمة التي تلاحقهم وتشد الخناق عليهم، أو سيمتنعون عن التصويت، وسيستلهمون مما كتبته صحيفة ليبراسيون اليسارية الصهيونية، خلال الانتخابات الجزائرية في التسعينيات، حول "الطاعون والكوليرا" (الإسلاميون وجبهة التحرير الجزائرية)، علماً أنه يصعب عليهم التصويت لحزب "الجبهة الوطنية" لماري لوبان. وأمام الالتفاف الكبير حول ماكرون من قبل معظم الأحزاب، لمنع وصول "الجبهة الوطنية" الى السلطة، هل سيشعر أحد بالحاجة الى أصوات المسلمين؟

راغدة عسيران

 

اخبار ذات صلة