وكالة القدس للأنباء - خاص
قست عليها الحياة حتى كادت أن ترهقها، لكنها صبرت وتحملت الأعباء على أمل أن تنسحب غمامة الظروف القاسية وتستبدل بأخرى أكثر أماناً واستقراراً.
تعتبر ما تصادفه من مرارة وحرمان ومرض، بأنه ابتلاء سيكون ثوابه كبيراً، فالإيمان هو الركيزة الأساس لها ولعائلتها التي يعاني أفرادها من شتى أنواع الأمراض لاستكمال دورة الأيام.
إنها الفلسطينية إبنة مخيم البص في صور جنوب لبنان، زهور مرعي، حكاية مرضها ومرض عائلتها وظروفهم الصعبة انتشرت في كل أرجاء المخيم، ما يسرَ عليَ الوصول إليها سريعاً، فما أن سألت عنها حتى قال المارة :"أوصلوها عند زهور".
كنت كلما اقتربت من المكان يغيب الضجيج شيئاً فشيئاً حتى وصلت، دخلت منزلاً متصدع الجدران، تفوح منه رائحة الرطوبة، نصفه خال من الأثاث، شعرت بفقر المكان وأهله، لكنني حاولت ألا أعكس إحساسي على ملامحي كي لا أزيد طين الواقع المأساوي بلَة.
استقبلتني زهور بوجه يحكي قصة عذاب طويلة، فعيناها ترويان الكثير من التفاصيل المؤلمة، ولون بشرتها الذي يميل إلى الأصفرار يكمل بقية الحكاية.
معاناة صحية لجميع أفراد الأسرة
قالت زهور لـ "وكالة القدس للأنباء" بصوت شبه مختنق :" منذ 15 يوماً وأنا محرومة من النوم، فالأمراض تكاد تفتك بكل أنحاء جسدي".
أضافت بأنفاس متقطعة " عانيت كثيراً وما زلت أعاني أصبت بالسرطان مرتين، هذا غير عمليات أخرى مثل المرارة، الزايدة وأكياس الدهن، والحمدلله بدأ وضعي الصحي بالتحسن ولكن المرض بدأ يضرب أولادي، فجميعهم يعانون من الحساسية بسبب الرطوبة، فبيتي كما ترين آيل للسقوط وأشعة الشمس لا تدخله مطلقاً".
عيناها السوداوتان لم تستطيعا إخفاء الحزن والمعاناة،تتابع محاولة رسم إبتسامة خفيفة على شفتيها:" ابنتي مريم تصارع المرض منذ 6 شهور حتى أنها توقفت عن الدوام في المعهد نتيجة فتق في المعدة، وارتدادات داخلية، وليس لدي المال الكافي، فزوجي مريض منذ 3 شهور، ومعظم الأيام احتاج لإدخالها المستشفى بعد أن تتقيأ وتصاب بنوبة سعال، ويصعب عليها التنفس، فتبدو وكأن روحها تخرج من جسدها، يتملكني الخوف ونذهب مسرعين إلى المستشفى فنصل وهي مغمى عليها".
أموت ألف مرة في اليوم
وأضافت زهور :"أصغر أبنائي واسمه حسن، المتفوق في دراسته يعاني من ضعف في المناعة، وأوشك على البدء بغسيل الكلى، وبفضل الله تحسن في آخر لحظة، لكنه يتعرض لوعكات صحية كثيرة، أما خالد فقد أصيب بمرض السحايا، وبعد شفائه بدأ يأخذ بخاخة تحتوي على كورتيزون رغم ما لها من مضاعفات سلبية مع الوقت وهو ما يزال طفلاً صغيراً".
وأوضحت : "دخلت في حالة كآبة منذ 15 يوماً، أحاول النوم ولا أستطيع ، أصبحت أكره الحياة، أرهقت وتعبت كثيراً، ولا أحد يقدم المساعدة لنا لا منظمة التحرير ولا أي فصيل، فحتى زوجي لم ينجو من المرض، فهو مريض أعصاب وأصيب مؤخراً بجلطة في رجله".
وبابتسامة هازئه أكملت :" لقد نسيت ابنتي ليال التي تعاني من الدسك منذ أن كان عمرها 17 عاماً، هذا غير الربو المزمن".
وبالرغم من كل هذه الآلام والمعاناة كان أفراد الأسرة يلتفون حولي بوجوه بشوشة، فمجرد السؤال عن حالهم كان سبباً كافياً لسعادتهم.
بدوره الأب مرعي تحدث لـ"وكالة القدس للأنباء"، فانحصر مطلبه ببيت لا يخاف على أولاده فيه من القطع الاسمنتية المتساقطة من سطحه، أو من جدران سرعان ما تتعفن لتصبح سوداء كحياتهم، لكن إيمانه القوي يساعده دائماً على الصمود، فهو راضٍ بالقدر بحلوه ومره.
عائلة مرعي نموذج وحكاية من حكايات مخيم البص، تحتاج إلى الرعاية والإهتمام ، كما تحتاج إلى مد يد العون السريع لها، سواء من قبل "وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين – الأونروا" أو بقية الهيئات والمنظمات الإنسانية والإجتماعية، وتركها لمشيئة الحرمان سيؤدي حتماً إلى مأساة لعائلة تحملت وتتحمل وزر التشرد واللجوء والبؤس...فهل من يستجيب ؟
